‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات وتأملات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات وتأملات. إظهار كافة الرسائل



   للقناعة ملامح تشكلها التجارب الفاشلة وانكشاف أثر المبالغات والأماني، ولا يتبين وجود هذه الملامح إلا إنسان تلقى صفعة ما من حقيقة ما، أو إنسان قرر أن يكون صادقًا مع نفسه، فيتأمل الواقع ويصفه كما هو.

   تخلّق الإنسان بالقناعة والرضا يستعجل بقدوم النفع وظهور الأثر.

   في الحياة، غالبًا ما تكون أدوات التأثير -إذا تأملتها من بعيد- دوائر ضيقة لا ترضي الطموح المنطلق.

   أدخل مواقع التواصل الاجتماعي يوميًا تقريبًا منذ بداياتها العربية، في مواقع التواصل تبدو السيرة الذاتية التي يُريد الناس كتابتها عن أنفسهم أوضح مما كانت عليه في المنتديات والمدوّنات، بين يديك مئات النماذج تحمل همًا وطموحًا.. وتبذل له، وحجم المؤثرين مذهل، وصادم دائمًا، وهو نموذج واضح لخريطة التأثير في الواقع وإن اختلف الأشخاص.

   عبر التاريخ وإلى يومنا هذا كان قَدَر التأثير العظيم يتاح لأعداد قليلة من البشر، الكثير يتنافسون.. والقلة يصلون لتلك المنزلة، لأنّه لا مكان إلا لقلّة، قل إنه حظ، وقل إنها الظروف المواتية، وقل إنه الجهد والبذل، لكن لتعلم أن كثيرًا من المحظوظين، وأصحاب الظروف المفترشة باليسر، وأهل الجهد لم يصلوا، ورحل الكثير منهم وهم لم يصلوا، ولك أن تردد بعدها: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) ففيها من الشفاء والوضوح والإشارة للخطوة التالية بدل ندب الحظ واستفهام المعترضين على الأقدار.

   إذن.. ما الخطوة التالية؟

   الإدراك:

ذهب مجموعة من الفقراء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقالوا يشتكون: (ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم) ثم جاء موضع الشكوى والفارق بينهم في الفضل فقالوا: (ويتصدقون بفضول أموالهم) فواساهم النبي عليه السلام بأن دلّهم على فضل التسبيح والتحميد والتكبير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، غير أنّ الأغنياء ما لبثوا أن عملوا بما واسى به النبي عليه الصلاة والسلام الفقراء، فروي أن الفقراء عادوا مرّة أخرى يشتكون، وكان رده عليه الصلاة والسلام بأن قال: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء).

   وكم من أهل الدثور من أملاك الدنيا؟ فهناك صاحب الدَّثْر من الشهرة، وصاحب الدّثر من السلطة، وصاحب الدثر من التأثير، وتلك أفضال الله يؤتيها من يشاء وحده لا شريك له.

   إن أهل التجارب الطبية والنفسية لا يجربون على كل البشر أو الحيوانات المقرّبة، وإنما على نماذج محدودة (غير فردية) تؤهل التجربة عليها لإصدار أحكام عامة على الجميع، وكذا الأمر في تجارب الإنسان الشخصية والتجارب التي كان شاهدًا عليها أو كان مطلعًا على تفاصيلها بالقراءة ونحوها، التجارب التي يمتلك الإنسان نتائجها هي استبيانات حياته التي يبني عليها قراراته لحاضره.

   والتجربة أثبتت أن هناك، في هذه الحياة، القليل، القليل جدًا مما يليق بطموحات الناس أو بجهودهم، صحيحٌ أنّ لكل مجتهد نصيب، لكن من قال أنّ هذا النصيب العاجل سيكون على قدر هذا الاجتهاد؟

*       *       *

   هنالك العديد من القناعات التي تتشكل بناء على ما سبق، تبدأ من بعض العبارات الكلاسيكية من مثل (كن سعيدًا بما لديك) إلى أوامر يقل الانتباه إليها مع عظم أهميتها من مثل (اعرف حدود تأثيرك) أو (حاسب نفسك).

   فبناء على التجربة، سيعلم الإنسان قَدْره، ويلمح أقداره، وإذن، فمزيد من التجارب بعد هذا العلم وتلك اللمحة.. مضيعة للوقت، فالمعركة بدأت وأنت لا زلت تبحث عن أحدّ السيوف وألمعها وأجملها وأكملها.

   القناعة مساحات عظيمة متاحة لك قد يعميك عنها الطموح والأماني والبحث عن مساحات لن تصل إليها، وتجعلك تزهد بما لديك من الممكن الموجود، مادًّا عينيك إلى الممكن بعيد المنال، أو إلى المستحيل وخيالاته التي لا تحد.

   سيدفعك إدراك هذه المساحات المتاحة إلى أمور في غاية الأهمية، وهي البداية الفعلية للخطوات التالية.

   . الالتفات إلى النفس:

   الإنسان لَبِنة في قاعدة، فساد هذه اللبنة يضعف الأساس، فيصدع البناء، لعلّ هذه الفكرة تبدو (مستهلكة) توجيهًا ودعويًا، لكنها حقيقة لن يعرف الواحد مقدار عظمتها وخطورتها حتى يتأملها عميقًا وبصدق، فلو علم الإنسان مقدار تأثيره ما استهان بمساحته الشخصية، فالكثرة قلّة متراصة، والقلّة أفراد مجتمعون، متى ما أدرك الإنسان أنّ تأثير شخصه وتأثيره على القلة التي حوله هو تأثيرٌ على الكثرة.. وإن احتقر الأمر، فهو في عمق الخطوة التالية.

   رُوِي في أثرٍ يتيم، من الروايات التي إذا قرأتها فررت من هامشها خوفا من فتك المحققين بها ولو كان هذا الفتك حقا، أقول: روي أنه لحق بني إسرائيل قحط على عهد موسى عليه السلام فاجتمع الناس إليه وطلبوا أن يستسقي لهم فلما فعل قال الله له: (فيكم عبد يبارزني منذ أربعين سنة بالمعاصي فناد في الناس حتى يخرج من بين أظهركم فبه منعتكم) ... فقام موسى عليه السلام منادياً وقال: (يا أيها العبد العاصي الذي يبارز الله منذ أربعين سنة! اخرج من بين أظهرنا فبك منعنا المطر) فقام العبد العاصي فنظر ذات اليمين وذات الشمال فلم ير أحداً خرج فعلم أنه المطلوب فقال في نفسه: إن أنا خرجت من بين هذا الخلق افتضحت على رؤوس بني إسرائيل وإن قعدت معهم منعوا لأجلي. فأدخل رأسه في ثيابه نادماً على فعاله وقال: (إلهي وسيدي! عصيتك أربعين سنة وأمهلتني وقد أتيتك طائعاً فاقبلني) فلم يستتم الكلام حتى ارتفعت سحابة بيضاء فأمطرت كأفواه القرب فقال موسى: (إلهي وسيدي! بماذا سقيتنا وما خرج من بين أظهرنا أحد؟) فقال: (يا موسى! سقيتكم بالذي به منعتكم) فقال موسى: (إلهي! أرني هذا العبد الطائع) فقال: (يا موسى! إني لم أفضحه وهو يعصيني أأفضحه وهو يطيعني؟!).

   نكتب ونشارك كتاباتنا منذ المنتديات فالمدونات فمواقع التواصل المتنوعة نملأ الدنيا احتجاجًا على حال هذه الأمة، بهذا الاستحضار الشمولي لها، من حفر الشوارع إلى أنباء المَصَارع، ومن قروض البنوك إلى الأراضي و(الشبوك)، بلا كلل وملل، وكل عام نختطف إلى هذه المعمعة حصيلة لا بأس بها من الأجيال الصاعدة، نسقيهم من همومنا، ونعرّفهم على خلافاتنا.. ولنقل بعد هذا الاستعراض (لا بأس) لكن هناك ما هو أهم بكثير من ذلك مهما أغرى هذا الـ (ذلك) بأضوائه وازدحام الناس حوله، وهو قضية صلاح النفس ودوره المحوري في رفع التخلف عن محيط الإنسان.. ودور هذا المحيط في رفع التخلف عن الدوائر المحيطة.. ودور هذه الدوائر في رفع التخلف عن الأمة بأجمعها، وإني على يقين أن البعض سيصل إلى هذه الفقرة ليقول في نفسه: (آه.. إنه التوجيه المكرر نفسه: أصلح نفسك تدور عجلة المجتمع، ويتجاهل صاحب هذا التوجيه أن تأثير صلاحك وصلاح قلّتك وما وراء هذه القلة مهما اتسع لن يصل لدوائر مغلقة تدير بحق عجلة المجتمع بقراراتها وسلطتها وقدرتها.. إلخ).

   حَسَنٌ!.. إنه هو بعينه، فما رأيك أن نتأمل أثره هذه المرة بعمق وصدق؟ إنّ للتخلف والانحطاط أسبابًا كثيرة بلا شك، ومن يظنّ أن تركيزي على سبب النفس يعني تبرئة المسؤولين عن الأسباب الأخرى.. فهو مخطئ، ولن يمنعني سوء فهم البعض هذا من إزاحة بقية الأسباب لنتأمل ما يتعلق بالنفس التي بين جنبينا، هذا السبب بعينه.. الأمر المكرر نفسه.. الذي تسأم منه النفوس ذاتها التي سنتأملها فيما يلي.

   بداية، عندما نقول أن فساد النفس من أسباب التخلف فعلينا أولًا أن نستحضر مشاهدًا من هذا التخلف المرير: طلقة في رأس طفلٍ سوري، دكتور بشهادة مزورة في مستوصف طبي، فاسدٌ يسرق من أموال الأمّة، سلوكيات بغيضة تستولي على عقول شبابنا، عالمٌ يتحرّى الدنيا بعلمه، قضيّة إسكانٍ لم تحل، حسنًا، سأختصر لك الأمر، إن كل إنسان منا لديه ما يستفزه من مشاهد التخلف، فما أتبلد أمامه من مظاهرها قد يكون يحرقك من الداخل، وما لم تحفل به قد أكون مغتاظًا يومي كله بسببه، فلينتق كل واحد منا ما يستفزه من شأن أمته وبلدته وحيّه وبيئته.

   (سأحلها من جهتي.. على الأقل!)

   هذا ما يجب أن يكون عليه الأمر، و(الأقل) هنا هو حدود الاستطاعة والتأثير في حياتك، وأنتَ أعرف بهذه الحدود، وأعلم بالذي من جهتك.

   لقد قلتُ بأنّ لمواطن التخلّف في أمتنا أو بلدتنا أو حينا أو تصرفات بيئتنا أسبابًا كثيرة، المسؤول عن جزء لا بأس به منها أشخاصٌ بمناصب وجماعات بسلطات ومؤسسات بصلاحيات واسعة أو حتى دول باجتماعات مصيرية، فهم المسؤولون عن القرارات المؤثرة على جموع الأمم لا أمتنا فقط، لا الأفراد، لكنّ يبقى أنَّ طرفًا من الأسباب يعني استطاعتك، ويصنع قيمتك.. وهو أنت، نفسك، والذي يرى أن الملامة تقع فقط على عاتق أصحاب الصلاحيات يحتقر الذوات، ويجعل الناس هملا، ومثله من يرى أن انعدام السلطة من الفرد يجعل مشروعه الوحيد وأثره اليتيم هو مصيره في الآخرة، فليعتزل إذن الدنيا التي لا يملك من سلطاتها شيء وينتظر مصيره في تلك الحياة.

   لا أجد تحقيرًا للذات أعظم من إلقاء جزئنا من المسؤولية على عاتق أولئك الأشخاص وتلك الجماعات والمؤسسات فقط لأن دورهم الحضاري أوضح وأكثر ضجيجًا، فما دورنا في الحياة إذن كأفراد سلكنا فيها طريقًا لا بأس به يجعلنا نعي حدود تأثيرنا وحجمه؟!

   إن مظاهر تقصيرنا الشخصي مرتبط ولو بالتأثير البعيد على مظاهر تخلفنا العام، هذه حقيقة تصرخ بها حقائق الكتاب والسنة.. والعقل، نومنا عن الصلوات، إهمال واجبات الأمانة، إفلات الحواس على المحرمات وعن الفضائل دون مجاهدة وتصبّر، تقصيرنا الدائم مع والدينا.. وغير ذلك كثير مما يعلمه الإنسان من نفسه.

   إننا مدينون بالاعتذار إلى أمتنا، وتاريخنا القادم، والأجيال من بعدنا على مشاركتنا -ببعض شؤوننا- في تراكمات التخلف، ومدينون بالاعتذار إلى دوائر التأثير من حولنا على قدوة سيئة جسدتها بعض طباعنا، وهزائمنا أمام الكسل والفتور واللذائذ، ومدينون بالاعتذار عن لحظاتٍ تتساقط من أيامنا كانت ستكون أفضل دائمًا بشيء من التصبر والمجاهدة.. والدعاء، ومدينون بالاعتذار إلى تضخيم الرجاء مع ضآلة المؤهلات، ومدينون بالاعتذار إلى واجبات الحقائق الملحّة على مصائد الأوهام والأماني التي ألهت قدراتنا عن الممكن المؤثّر.. وجعلتها تبحث في المستحيلات.

   وخير الاعتذار عملٌ صالحٌ ينقض سببه: (إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم)، وأعظم الفرص التي تواجه الإنسان في حياته هي أنفاسه القادمة، والتي تمنحه المزيد من العمر والحياة، والعمل الصالح يجمع شكر هذه المنحة وإصلاح ما فسد في الماضي، والقناعة بما تملك يدلك على الخطوة التالية للعمل دون مضيعة للوقت.

   نسأل الله أن نكون لبنة صلبة في أمتنا، وبذرةَ نهوضٍ لها، وأن يغفر لنا جناياتنا على نفوسنا.. وعليها.
الطالب،مصطفى
   تسلك بسيارتك (الفورد) طريقك في سرعة معتدلة، في أمان الله، وفي أمان من الناس، فتتفاجأ بسيارةٍ تظهر من العدم، ينعطف صاحبها بها نحوك عن سبقٍ وإصرارٍ حتى يكاد يصطدم بجانب سيارتك التي تهتزّ من اضطراب الهواء بسبب قربه وسرعته، وحين تستوعب ما يجري وتفيق، تراه أمامك يضيء إشارات التوجيه يمنة ويسرة، في رموز تفهم منها أنه يقول لك متحديًا (تمكنت منك، فمت بغيظك!) ليركب الشيطان معك، ومعه عائلته وأصحابه وقبيلته، ويشيرون بحماس نحوه لتلحقه.. فتغفل عن التعوّذ، وتطيعهم، وحين يضطرّ للوقوف عند أقرب إشارة مزدحمة، تنتهزها فرصةً كي تقترب منه حتى تصير جواره ثم ترغمه على الاستجابة لزجرك واستفهاماتك اللجوجة، فيجيبك كاسد العقل وقد جمع بلادة الدنيا في نبرة صوته: (أنتم يا أصحاب الفوردات ما تشوفون أحد!!).

   فتنسى الموقف، وتغفل عن الرجل؛ لتضحك طويلًا، فتغادر الشياطين مركبتك مغتاظة متأففة، ويضطر الرجل للافتراق عنك بسبب منبهات الإشارة الخضراء، وعيناه تلاحقانك بنظراتهما المدهوشة من هذا الضحك المستفز، وقد اغتاظ فيما يبدو، وركبت تلك الشياطين معه.. تشير إليك هذه المرّة!.

   بعض الإجابات تحمل سيرة صاحبها، وتعتاض بها عن الأسفار، لأنها تختصر لك الإسفار عن أخلاقه.

   يتداول الناس نكتًا وطرائفًا حديثة الظهور عن قائدي سيارات (الفورد)، وهي طريفة بلا شك، وتدفعك للضحك دائمًا، لكنّها لا تقع في بعض النفوس هذا الموقف المعتدل.. العاقل، وهو الضحك، والاستمرار في الحياة.

   بعض السفهاء يحمل نفثات المجتمع المضحكة والتي تصل إليه كطُرفة شعبية.. محمل الجد، فيتأثر بها أشدّ ما يكون التأثير، فتغيّر في طباعه وقراراته وتعامله، فمجاله الفارغ تملؤه التفاهات بسهولة.

   وبصفتي قائدًا لسيارة الـ "فورد" بدأت أحسّ بعنصرية وعداء يبدوان من بعض الحمقى والمغفلين الذين تساقطت أوراقهم من صفحات ابن الجوزي، فأجد نفسي في سباق وتحديات لم أختر الاشتراك فيها، وأتعرض لنظرات لم أعهدها قبل انتشار هذه الطرائف، ربما يبالغ القلم هنا، لكن المبالغة تكثير انفعالي لما استجدّ في الواقع بحق.

   إن النكتة والسخرية كافيتان عند بعض العقول لإعطاء أحكام عامة، وتصّور وجود مجموعات وتكتلات، فيمتلئ مجال هؤلاء بتصورات وآراء تصنع ردود فعلٍ معينة، لا تبشّر بالخير غالبًا، فحين كنتَ تضحك أيها العاقل من طرائف (أصحاب الفوردات) كان البعض تحمرّ عينه ويخلق في مخيلته وجودًا واقعيًا لهم يصح أن يقال فيه لواحدٍ منهم: (أنتم-أولئك-هؤلاء-أصحاب) فينسبه إلى ما/من يستحق الكراهية والحقد والإيقاف عند الحد، وحين كان يتوقف تأثير النكتة عندك على آخر أنفاس الضحك، كانت تدور في نفوسهم زوابع ستهب أعاصيرها حال ملاقاتهم من يستحق لعبة العداء، وهم هنا (أصحاب الفوردات) الذين (ما يشوفون أحد)، أي أنهم مغرورون متكبرون لا يرون الخلق لفرط احتقارهم لهم، فانظر يا رعاك الله كيف تنتقل الصفات أيضًا عبر تلك الطرائف.

   يتكرر هذا الأمر في تفاعل أمثال هؤلاء مع النكت التي تسخر من الزواج والطالب المتفوق والمجتهد وعاشق الكتب، طالب العلم والثقافة، والبدوي.. وأخلاق المجتمع، والمشاهير، وغير ذلك كثير، دائمًا ما تجد في استقبال الناس لهذه التعليقات فئة تنطلي عليها هذه السخرية بنجاحٍ عجيب، وتؤثّر فيهم سريعًا، فلا تستغرب -مثلًا- ممن يتأثر قراره في الزواج، لدوافعٍ سبّب تخلّقها في دواخله أمورٌ منها هذه السخرية التي سرعان ما تتأثر بها هذه العقول فتصدّق وتدهش وتشمئز ثم تبني على ذلك كله، فالزواج في تلك الطرائف مقزز ورتيب، خال من الحب، يحوّلك وزوجتك وأنتما في عزّ الشباب إلى مسنّين مملين يكرهان الحياة ولا يبصران الجمال، كما أنّ الزوجة لا تفهم الرومنسية، ولو حاولت أن ترتديها فشلت وصارت محاولتها باعثة على الشفقة والسخرية، والطالب المجتهد بغيضٌ ثقيلٌ يسبح ضد تيار الحيوية والانتعاش.

   وقد هالني حين قرأت تعليقات في إحدى مواقع التواصل، يتمنى فيها أصحابها الهلاك والأذى لأحد المشاهير بعد أن تعرّض لحادثة مجاهرة، مع أنه لم يبدر منه، حتى في زلاته وسخرياته، ما يستحق ما هو أدنى من محاولة الفتك به وبأهله.

   إن العاقل حين يقرأ عبارة (لا تجعلوا من الحمقى مشاهير) يميّز الأحمق أولًا ثمّ يلتزم بالحق الوارد في العبارة بالتي هي أحسن، وبالتجاهل، أما السفيه فيقرأ العبارة ثم يظنّ أنها تعني أن كلّ المشاهير حمقى، وأن عدم جعلهم مشاهير يعني ذلك التجاوز ضدهم إلى درجة الجناية والظلم.

   هذه العقول (التي تنجح تلك الطرائف في تغيير نفوس أصحابها والتأثير في آرائهم.. دائمًا!) هي التي يراهن مالكو أدوات التغيير الإعلامي في التحكم بها وتوجيهها بناء على مجهود قليل التكاليف كثير التأثير كمجرد عنوان رئيسي في صحيفة إلكترونية، أو كاريكاتير، أو "هاشتاق" أو حلقة تلفزيونية كوميدية، أو وثائقي يستغل شعار الجهاد، وإذا كان كافيًا أن يُملأ مجال هؤلاء بالحقد على (أصحاب الفوردات) لمجرد نكتة متداولة حديثًا، فما بالك بما هو أشدّ جاذبية وأكثر حيوية وأدقّ توجيها؟!

   حتى البرامج اليوتيوبية لم تعد تجتهد كما تصنع القنوات في أساليب الدعاية، كان كافيًا لهم أثناء حديثهم لك أن يخرجوا علبة المنتج أمامهم، مع افتعال ملامح وابتسامات تقول لك: نعم، أنا أصنعها دعاية مباشرة، وأنت تعلم بأنها تخاطب وعيك ولا وعيك وبصرك وكل حاسة منتبهة لديك، كما يعلم المشاهد عن حيل لاعب الخفّة أمامه، فكيف ولاعب الخفة يخبرك بأسرار ما يقوم به بكل وقاحة، ومع كل هذا العلم فإنني أتوقع أنك ستتأثر بها، وستشتريها، وسأستلم أموالي.

   إنها الفئة المضمونة للتأثير والاستهلاك والتخويف والتحريك، الألعوبة المكوّرة التي يركلها السياسي والتاجر والفنان.. ورئيس النادي.

   على أيّة حال، سأستغل ختام مقالي لأوجّه تحذيرًا جادًا للرفقاء من (أصحاب الفوردات) بأن يتنبهوا، فقد كثر السفهاء، والانفعالات السيئة تنتقل بينهم بسرعة انتقال العدوى، وصار الناس يؤتونهم أموالهم، وطرائفهم.. ومفاتيح سياراتهم!

مقال متصل:
[ أرسطو الدرباوي ! ]



   تصدر في هذه الأيام مع انطلاق معرض الكتاب 1438هـ - 2017م في مدينة الرياض ما يتعارف على أن يسمى (باكورة الأعمال) أي: أولها، ولا أدري عن امتداد العمر، أو ارتفاع الهمّة، أو وجود القدرة، في إتباع هذا الأول بثانٍ أو ثالث.. الله وحده يعلم وهو الموفق والمعين.

   رواية رهاب كتبتها قصّة قصيرة جدًا عن معاناة الشاب إياس، ثم نشرتها في هذه المدوّنة قبل قرابة السنتين، وسبب كتابتي لها هو سلامٌ عابرٌ حصل أمامي ولفت نظري كثيرًا بين مراهقٍ ورجل أربعيني في محلّ داخل السوق القديم في مدينتي وغاليتي (رفحاء).

   كانت تفاصيل ذلك السلام الملفتة تخلق موقفًا من المواقف التي يعرفها الكتاب جيدًا إذ يسابقك طيفها نحو حاسوبك لتنطلق بالتعبير عنها بسرعةٍ لا تحتمل التأني في رصف الكلام وتنوّق كرائم اللفظ، فأصابعك تتزاحم وتكاد تتعارك في لوحة المفاتيح، والأفكار تفيض وتندفع حتى تختلط روافدها.

   وبعد نشرها هاتفني الصديق الأثير مشعل الحربي (أديبٌ وإن تخفّى وناقدٌ وإن أخافني!) مثنيًا ومشجعًا وملاحظًا كعادته الطيبة والصادقة، وقال لسبب واضح لديه: لديك المزيد عن هذا الموضوع كما يبدو، فلماذا لا تكون هذه القصّة رواية أو مجموعة قصصية؟

   يرجع اهتمامي بموضوع الرهاب الاجتماعي وتصوري لآثاره وأعراضه لأسباب متراكمة، أذكر هنا ما يصحّ نشره:

   أما السبب الأول، فهو هواية غريبة في وقتها، استهوتني في صيف 1427هـ/2006م، واستمرت سنوات قليلة، ثم انقطعت عنها مللًا من التكرار، قبل أن أهتم بكتابة رواية عنها، وهي إدمان قراءة صفحات الاستشارات في المواقع والمنتديات التي كانت (ولا زال قليلٌ منها) وسيطًا بين الجمهور المتعطش للاستشارات وبين مختصين وعلماء تم انتقاءهم حسب موضوعات الاستشارات المرتبطة بتخصصاتهم، كالاستشارات الطبية، والنفسية، والدعوية، والتربوية، والثقافية.. وغيرها.

   فكنت أطالعها، وأطبع بعضها لأعيد قراءتها، مع تنوّع في موضوعاتها حتى بدأت تميل نفسي مع مرّ الأيام إلى ما يرتبط بالاستشارات النفسية حتى استهوتني فقرأت أرشيفها وتتبعت جديدها مدّة لا بأس بها جعلتني أفهم كثيرًا من عقد هذا التخصص العجيب، وأتفهم الكثير (الكثير!) من خلال الأسئلة التي ترد ولو لم أقرأ أجوبتها، فالأسئلة في الاستشارات تأتي لك بالحياة دون أقنعة وإن تخفى أصحابها، أما الإجابات فهي أفعال ومواساة وتوجيه تلحظ تكرار أساليبه وأوامره واقتراحاته بعد طول قراءة وتأمل، فهي لا تتجاوز خطوطًا عريضة جعلتني أتفهم كيف استطاع بعض أصحاب الشهادات المزورة من الأطباء ممارسة احتيالهم دون كشفهم مدة طويلة.

   والسبب الثاني، هو عملي كمعلّم، إن المعلم يقابل في كل يوم مالا يقل عن ثمانين طالبًا وُزعوا على فصولهم بترتيب يسهل فيه تمييز الطلاب ومعرفة أسمائهم ومع مرور الأسابيع الدراسية تبدأ شخصياتهم بالبروز والفروقات بينهم بالانكشاف، ويطفو ما في قاع نفوسهم على سطوح حواسهم ولحن قولهم وصريحه، فتبدأ تتعرف عليهم، ثم تعلمهم، ثم تشعر بهم.. إذا كنت عطوفًا بما فيه الكفاية.

    بعدها، ستشعر بتلك الأعراض البادية على ملامح بعض الطلاب وتصرفاتهم، ذلك الانتماء لزوايا الفصل، بحثًا عن احتضان المكان، وتلك المحاولات للتخفي خلف ظهور زملائهم بعد أن يتنقل المعلم بعينيه بين الطلاب بحثًا عن مشاركٍ ومجيب، ثم تلك الصدمة وما يتلوها من تلعثم وتعرق وتورّد حين تشير إليهم أو تطالبهم بالوقوف للإنصات لهم، فضلًا عن شدّة الارتباك والحصر حين تطلب منهم تكرار ما قالوا ورَفْعُ صوتهم به؛ لأنك لم تسمع ذلك الهمس المرتعش المبحوح الذي نطقوا به، إن ارتقى لكونه نطقًا!

    لا أحتاج إلى اعتراض يذكرني بكوني لست متخصصًا لتصنيف هذه الأعراض إلى (مرض) أو (حالة)، لكنّها موجودة، والوجود يستدعي -عند أهل الوعي- الانتباه والفحص، لكنّ المعلم والمرشد أو أي واعٍ بما يجري غالبًا ما يضربون أخماسًا بأسداس قبل أن يخطو أحدهم نحو المجتمع الذي ائتمنك على هؤلاء، وأيّ مرشدٍ أو معلّم يتجرأ بأن يقول لولي أمر الطالب في مجتمعنا أن ابنك يحتمل إصابته بمرض الرهاب أو الاكتئاب ويفضل فحصه عند أخصائي؟!! إن مجرد تخيّل ذلك يبعث على الارتباك، لذا كان الهدف الواضح من الرواية -كما أتمنى- هو إخراج هذه الأعراض من النقط العمياء في أبصار من يطالعها من أفراد المجتمع.. وبصيرتهم.

    إنّ الرهاب مغناطيس يجذب التنمّر والظلم والهوان، كما أنه تيار داخلي يسحب إليه أمراضًا أخرى تزيد شأنه تعقيدًا وأمره خطورة، كالاكتئاب وغيره، فهو ككرة الثلج تتضخم كلما انحدرت وتزداد انحدارًا كلما تضخمت حتى تسرع إلى الهاوية.

    هي مواقف -قد يحتقرها المجتمع- تصنع مخاوفًا تكون كالندوب في روح وبال الطفل والمراهق، فتجيء مواقف أخرى تجدد جرحها فيثعب هلعًا ويتسع ليكون الجرح كل مرة أعمق غورًا وأشدّ ألمًا، وقد حان الوقت الذي يترفع فيه المتعلمون من أولياء الأسر وأرباب البيوت عن الأحكام الهمجية المتخلفة التي تختصر هذه الأعراض والحالات بكونها ضربًا من الجنون أو قلّة الرجولة أو نقصًا في الاعتزاز والأخلاق، فيُلام الطفل والمراهق بناء على هذه النظرات الكسولة الجاهلة، ويُراد تقويمهم بالأوامر المباشرة أو الضغط النفسي بقناع تربوي أو ربما الضرب والإهانة، فيقع هؤلاء المساكين بين مطرقة الجهل وسندان المرض، فتزداد الضغوط وتكثر المشاكل وتتسع المعاناة فلا ينتج من ذلك إلا التعجل بانهيارهم الذي لا ينفع بعده الندم.. ولا الوعي المتأخر.

    أما السبب الثالث، فمع تجدد وسائل البحث من جوجل إلى أدوات البحث في مواقع التواصل الاجتماعي، لك أن تكتب الكلمات التالية في محركات البحث المتنوعة كما كنت أصنع بين فترة وأخرى: رهاب - #رهاب – رهاب اجتماعي – فوبيا اجتماعية – العزلة - الوحدة ... ثم انظر لفضفضة المقّنعين بالأسماء المستعارة وشكواهم على اختلاف أعمارهم ومجتمعاتهم، وأنينهم المكتوم في واقعهم والمنطلق في المواقع علّ هذا البث يخفف ما يحتقن في دواخلهم.

   كان مؤلمًا للغاية ومبكيًا أحيانًا ما عرّضتُ له شخصية الرواية مما قد يعتبره الإنسان الصحيح المعافى مبالغة، لكنه ضروري، لأنه ما يجري، والواقع لن يجامل روتين المنعم عليهم بالمعافاة، أزعم في رجاء أنّه لو اطلع أخصائي نفسي على الرواية لخرج منها بتشخيص واضح بأن هذا الشاب يعاني من هذا المرض منذ مدة طويلة، وأنّ الأمر معه تجاوز مجرد الاكتفاء بجلسات الحديث والنصح، بل لا بدّ من علاجٍ سريري ودوائي طويل الأمد لما تراكم وتطوّر معه بالإضافة إلى معاناة الرهاب.

   كما أنني في شوق للملاحظات النقدية الجادة في موقع goodreads على سبيل المثال، فأنا أشبه نفسي بمن يدخل سوق الأسهم وهو واع كل الوعي بخطورته، ومثل هذا الاستيعاب يجعلك تتوقع أنواعًا من النقد.. بالثناء أو بالثلب، تركت تعامل مشاعري معه لوقته، غير أنّ حكم الدار المحترمة بصلاحية النشر يعتبر من أوائل الأحكام الإيجابية التي تنمّي الثقة بما كتبته، وقد أفرحني كثيرًا تبنّيهم لها، مع أنني لم أتوقعه، لدينا موهبة عظيمة في إساءة الظن بمواهبنا، وقد قضيت ستة أشهر في كتابتها، ومثلها في مراجعتها، ومثلهما تقريبًا في إساءة الظن بها، لذا كانت الموافقة على نشرها من أوّل مراسلة مدعاة لمراجعة النفس حول هذا التردد والوسواس.

   أسأل الله أن يتقبلها، وينفع بها.

في الأيام الماضية، مرّت علي تغريدات متفرقة لشخصيات مختلفة تقف موقفًا معينًا من عنوان كتاب لابن القيم رحمه الله الشهير: (إعلام الموقعين عن ربّ العالمين)، وكانت شرارة الأمر قد قدحت بتصريحٍ لفضيلة الشيخ العلامة صالح الفوزان -حفظه الله تعالى- يقول فيه: (المفتي موقعٌ عن الله سبحانه وتعالى)، وكان مضحكًا للغاية أن أرى عند كثير من هؤلاء المعترضين مشاعرًا يختلط فيها الاعتراض والانزعاج من الشيء، والفرح بوجوده في ذات الوقت، فكيف يكون هذا يا ترى؟!

لديّ تفسير طريف لبعض المظاهر الفكرية التي تدفع (بعض) هؤلاء لمثل ردودهم العجيبة على كلام الشيخ، تشكّل لدي هذا التفسير من خلال قراءة مقالات وردود لأشخاص يختلفون في التوجه لكنهم يعيشون نموذجًا واحدًا يعززون وجوده من حولهم بالتخيّل، أو بإسقاطه في الواقع بصيغ المبالغة أو حرف الكلم عن مواضعه.. ونحو ذلك.

وعلى كثرة مصطلحات هؤلاء التي ينحتونها وربما يطمع بعضهم في خلودها فإنك تجدهم في كتاباتهم يصنعون المزيد من الألقاب والمصطلحات جديدة أو مقتبسة ويوزعونها بالمجان على الحاضر والماضي القريب.. وربما المستقبل كذلك، تحت شعارات تغري كل مستحضرٍ لبناء السيرة الذاتية التي يرجوها واحدهم لنفسه، وبدوافع صادقة نبيلة أو أنانية نفعية.. لايهم.

وكلما تأملت فيما يكتبون يقع في نفسي أن الواحد منهم، بحق، يكتب بلا وعي، لأنه قد جعل الماضي بُعدًا آخر في حاضرنا، فهو يعيش واقعنا لكن في بُعدٍ مختلف أنشأه بأمنياته وخياله، ويتحّد فيه بشخصيات لها سير ذاتية لا يكتفي بخطوطها العريضة التي يصحّ الاقتداء بها في كل زمان ومن كل الشخصيات؛ بل يقتبس بيئتها ومصطلحاتها وواقعها ومشكلات ذلك الواقع وكلّ تفاصيله ومراحله فيعصره ويصنع منه حبرًا يكتب به سيرته الذاتية الكفاحية في واقع آخر وزمان مختلف، بداية بما قرأه في تلك السير وأُعجبَ به منها.. ونهاية بها، وسواءٌ كانت شخصيات أو مراحل زمنية.. أو غير ذلك.

بل المسألة تجاوزت -عند بعض الشخصيات- إسقاط نموذج سابق حصل في واقعٍ مختلف وسياق تاريخي مغاير.. على واقع اليوم، الأمر -في نظري- وصل بهؤلاء البعض إلى إسقاط أنفسهم على ذلك النموذج وعيش واقعه فأصيبوا بغيبوبة فكرية تامة، فصرت تراهم أثناء طرحهم ونقاشهم وكتاباتهم كأنّك ترى مجنونًا يهذي لوحده ويتحدث منفردًا وكأنه بين جموع من الناس، ويغضب دون سبب، ويضحك بلا باعث، وأحيانًا نتمنى (من باب الفضول العلمي لا تمني الشر) أن نعرف، في عافية من شؤوننا، عن طبيعة العوالم التي يبصرها المجانين ويتفاعلون معها.

وحين أقرأ لبعضهم يأتيني ذات الفضول العلمي أحيانًا حين أجهل طبيعة الواقع الذي يتمثّله أحد هؤلاء، لكنّي أحلف أن البعض منهم يذهب بي مباشرة إلى أوروبا أيام سقراط وأثينا، أو في أواخر العصر الوسيط وربما فيما تلاه من عصور النهضة والتنوير، ويا لشدة فرحه وأنسه حين يظهر من عالمٍ أو طالبِ علمٍ مصطلح أو موقف يقارب ولو بالتكلف والاصطناع أو الكذب والخداع إشكالات ومصطلحات تلك العصور، لسان حالهم: ((أرجوكم، أرجوكم.. كونوا حكماء أثينا.. لأكون سقراط (لكن بدون سموم!)، كونوا محكمة تفتيش رومانية (بدون قوة ولا سلطة طبعًا!) وسأكون غاليليو (مع رجاء ألا تطمعوا أن تروا مني اكتشافًا ما! أتمازحوني؟!!)، ومعاذ الله أن أكون إيمانويل كانت وتكون أنت ملك بروسيا، لا!! فأنا أعرف الخطوط الحمراء مقدمًا، وأصمت عنها في أول العمر، وأقف عليها لأستقبل راسمها بخضوع الالتزام بالخطوط العريضة)).

يقرأ أحدهم لشخصيةٍ أوروبية حاربت الظلمات (بغض النظر عن أي تفاصيل ومقتضيات وأحكام حول هذه الجملة) فيتجه بروحه وعقله وفكره إليها حتى تتلبسه أو ينتقل بالزمن ويتلبسها، فيجد نفسه راغبًا أن تكون سيرته الذاتية فارسة عصرها –مع قابلية التغيير عند البعض حسب الظروف!!-، فيحاول أن يختطف من واقعه العربي والإسلامي النماذج المضادة للشخصية الأوروبية الإصلاحية أو التنويرية.. إلخ، والتي كانت تتمثل بـ:
  1. الحاكم المستبد المؤيَّد بزعمه من الرب، والذي كانت تجسده البابوية ورجالها بسلطتها المتجذرة ونفوذها الواسع حتى على غالب السياسيين في تلك القرون.
  2. التراث اللاهوتي الذي سقط عند أول اختبار للفطرة العقلية والتجربة الحسّية، إما سقوطًا علميًا أو بانغلاق حامليه أمام فتوحات العلم وردعها بالقوة والوعيد.
فيبحث هؤلاء في واقعنا المعاصر –بالغصب والتكلّف- قوالب يسكبون فيها سيالات الماضي.

فمثلًا.. أخذوا يطابقون باللفظ والمعنى واقع الكنيسة في تلك العصور بواقع علماء المسلمين في هذا العصر، مع أن أدنى مطلع لواقع الحال يجد أن علماء أهل السنة ليس لهم في تاريخنا المقدار الذي كانت تنعم به الكنيسة طوال عشرة قرون حيث كانت لهم اليد العليا على كل شيء تقريبًا، اللهم -والحديث عن علماء المسلمين- إلا كمرحلة تالية للقرار تدعم أو تنصح، فعلماء المسلمين -على اختلاف مناهجهم- لا يتجاوزون في سلطتهم حدود سلطة أي مواطن عادي في أي بلاد كانوا فيها، إذا غضضنا الطرف عن الوجاهة الاجتماعية والاحترام المتبادل مع أصحاب القرار في بعض منعطفات التاريخ ورحبات الجغرافيا.

فكيف يُحَمّلون مالم يملكوا يومًا مفاتيح قراره؟!! إنها الغيبوبة يا سادة.. والبعد الآخر الذي يعيشه الغير.

ما شأن هؤلاء الغائبين بتاريخنا وجغرافيتنا وواقعنا؟! هم يرون في سِيرِ الأحرارِ الأوروبيين ما يغني عن أحرار عصر النبوة والخلافة الراشدة والتابعين لهم بإحسان.. وسيرهم، وفي تكرار تاريخ أولئك وثوراتهم ومواجهتهم "للمتحدثين عن الإله!!" ما يثير القلب والوجدان أكثر من سير الصالحين المصلحين خلال تاريخنا، فإذن: ((يجب أن يكون هنالك من يتحدث عن الله من حولنا، يجب، وإذا كانت جملة (الموقعين عن الله) تعني التحذير العظيم من مسؤوليتها ومدافعة منزلتها والتنصل منها قدر الاستطاعة، وليس المعنى الذي نتمناه وهو (أن المفتي يكون في مرتبة تشريف مقدّسة تلقي عليه هالة سماوية) فسوف نتجاهل حقيقة معناها. وحين نقرأ قول ابن القيم: (فخطرُ المفتي عظيم، فإنه موقِّع عن الله ورسوله، زاعم أن الله أمر بكذا، وحرّم كذا، وأوجب كذا) نجعل أصابعنا في آذاننا ونستغشي ثيابنا ونصر ونستكبر استكبارا ليكون المعنى الذي نعيشه في النموذج هو المعنى المقصود، فموقعٌ عن الله، ستعني (ونقولها ولا زالت أصابعنا في آذاننا..) أنّه: يملك السلطة ويضفي على نفسه هالات القداسة والعصمة)) 

أما نموذج (التراث) فالكتاب والسنة يستحيل أن يتعرضا لتطاول حَرفي وصريح، على الأقل حتى الآن، ومن قبل هؤلاء، لكن الطريق لتلبس نموذج تصدي فلاسفة تلك القرون لتراث العصر الوسيط يكون من خلال جعل التراث الشرعي السلفي هو الخلفية الشرعية المبررة للواقع المر اليوم كما يصفون مرارته ويرونها ويقررون وجودها، فإذن هي التعاليم اللاهوتية ذاتها والتي يجب أن نمارس دور التنوير ضدها، ومن هنا بالذات يبدأ التخبط عند هؤلاء على اختلاف توجهاتهم التي تتباين أحيانًا، وما ردودهم على مصطلح (التوقيع عن الله) إلا أنموذج مصغر جدًا للتحايل وحرف الكلم عن موضعه والتدليس في التعامل مع التراث، واختراع نماذج متخلفة لتفعيل نماذجهم البطولية، فيضربون خيال التخلف بخيال بطولاتهم، ويكون المجني عليه الواقع، لأنهم يصيرون من أسباب التخلف، وتأخير الوعي، وإتخام الواقع الفكري بالجدل.

فلا تستغرب غرابة طرحهم وبعده عن الواقع، إذ بات شغلهم الشاغل اقتباس العداوة التاريخية بين (العلم والكنيسة)، من قصة التحرر الأوروبي من سلطة علماء الدين ليحشروها بالتكلّف أو بالافتراء في واقع الأمة الإسلامية بلا مراعاة لاختلاف الدين واللغة والتاريخ.. وحتى الجغرافيا والطبيعة، ولو كان الأمر لهم لغيروا أسماءهم إلى أسماء فلاسفة تلك العصور، وسموا مؤلفاتهم على عناوين مؤلفات أولئك القوم، وربما فعل البعض ذلك.

وهذه من وسائل التحايل البعيدة أو شبه الصريحة للمناهج الثورية والحركية، والتي تدفع باتجاه الثورات والفتن عبر السنوات والعقود، فهي حركات خارجية.. ولكن من بعيد، كأنهم يخرجون المادة الخام لسلاحٍ سيستخدم بعد عقدين أو ثلاثة، وهذا من الخطر بعيد المدى والذي لا يكاد يتنبه إليه إلا علماء أهل السنة الذين اقتبسوا نباهة سلفنا الصالح فعرفوا مواطن الفتن قبل عامة الناس؛ بل قبل من ينسب نفسه للثقافة وهو عاميّ النباهة، ولا غرابة، فإمامنا صلى الله عليه وسلم كانت أحاديثه عن الخوارج تتحدث عن شخصية يخرج من ضئضئها أهل الضلال والفتن، ويكأن ذلك (التطبيق) العملي في كشفه ينبه على أنهم يمكن اكتشاف الشرارات الأولى، فحين تسمع من يقول عن العلماء أنهم (نواب الله في الأرض) فهم يقولون للأجيال وللشباب المتحمسين: أنتم تفهمون بقية القصة (والتي أدت إلى مذابح وفتن الثورات الفرنسية والاستعمار للأمم)، فيصفون الغمد.. ليكمل عقل الشاب ما يناسب مرحلته من تصور حدّ السيف، وهذا من أخطر ما تم تصديره لشبابنا لعقود حتى أدى لما هو معلومٌ اليوم (وأرجو ألا يكون بعد فوات الأوان) مآلاته، فالشاب الذي لا تتحايل على عقله ولا تجنّده الإسقاطات الخاطئة لنصوص العزيمة والقتال الدينية، ستنجح إسقاطات (الأفيون الآخر) في جذبه للتجنيد.

الأمر عند هؤلاء كمن يرى أن أول شروط الليبرالية هو حلق الشارب مع اللحية، وكمن يظن أن فن الرواية يلزم كتابها بتدخين الغليون (بهذا المصطلح بالذات!)، والاستماع للسمفونيات العتيقة، أو أن السيرة الذاتية لا تحلو إلا بارتداء (السكارف!)، وربما يتخلل هذا العالم الموازي شكليات دقيقة، كالمصطلحات، فيصير لفظ الجلالة الله سبحانه وتعالى -بعد عفوية اللسان العربي المبين-: الإله.. الرب مع جفافٍ فلسفي ظاهر، وربما بدت نصوصهم بناء وتركيبًا وكأنها تُرْجِمت للغة أجنبية، ثم عادوا وترجموها إلى اللغة العربية، فصرت ترى نصًا مترجمًا دون ترجمة، وهذا من الإغراق في تعبيراتهم المنقولة عن أولئك، وهي من طرائفهم الغريبة.

والنتيجة -في أسوأ الأحوال عند (بعضهم)- الدعاية لحريّة النفاق والكفر والسخرية من مواجهة الشرك، والجفاء مع قضايا القرآن والحياة العظمى كالتوحيد والإخلاص والتقوى والدعوة إلى الله والتوبة.. وغير ذلك، واعتبارها انصرافًا عن الواقع، في نظرةٍ خالدةٍ إلى علمهم من الدنيا، وكذلك التهوين من قدر الشريعة في قلوب الناس من خلال الأخذ بما يطلقون عليه المعاني الكبرى التي تحققها كالعدل ومحاربة الفساد دون مراعاة لتفاصيل السياسة الشرعية، مع المراعاة التامة لتفاصيل التجارب الغربية في الحكم والثورة، فضلًا عن تغير النفس تجاه سلفنا الصالح والجفاء البالغ نحوهم لإلحاح معارك النموذج في نفوسهم حتى تختل وتشمئز مما يجب في أقل الأحوال تقديرهم وإجلالهم.

لذلك أسأل نفسي أحيانًا: ماذا لو استمرت سلطة الكنيسة إلى يومنا هذا، وكان مندوبي البابوية في تلك الأمم لا زالوا يحكمون "بأمر الإله"، وماذا لو لم تظهر تلك الأسماء الكبرى في قصة الحضارة الأوروبية، أو أنهم وجدوا لكنهم كانوا في غمار الناس.. نسيًا منسيا، فكأن تلك السير لم تكن، بل وحتى توما لم يظهر فيهم، فكان الأمر خالصًا لتعاليم الكنيسة بلا كدر ونكد، وفي ذات الوقت كان واقعنا الإسلامي والعربي كما هو الآن؟ كيف يكون حال هؤلاء؟! وهل ستهديهم عقولهم لأسئلة النهضة منطلقين من الوحي كما ينبغي لعقلاء الأمة؟! أم سيكونون أيتامًا بلا نموذج؟!! وربما دلهم إقدام عقولهم على التكايا والزوايا؟! ربما.. من يدري.

   كان سماع كلمة (كفو) من أحدٍ ما وهو يوجهها نحو آخر حدثًا نادرًا في صغري، فقد مرت على سمعي مرات قليلة في مجلس جدّي رحمه الله تعالى، غير أنها إذا قيلت لفتت النظر، وكان لها وقعٌ عظيم في النفس، وتنفض رتابة الحديث، ولا تخرج إلا في أجلّ المواقف، وفي مواطن الفخر الصادق، وكان للنطق بها نغمة منصفة ونبرة تلفت الانتباه، فهي بحق حدثٌ نادر يجعلك تتمنى أن تقال لك بهذه العفوية، بيقينِ أنّك تستحقها.

   فهذا (كفو) لأنّه أعان صاحبًا له إعانة الشقيق لشقيقه، والآخر (كفو) لأنّه أدى لوالديه بعض حقهما في مواقف برٍ عظيمة، وذاك قدّم نفسه فداء لغريب في حادثة امتحنت أخلاقه وشجاعته فكان لها (كفو)، ونحو ذلك من مواقف الشجاعة والبرّ والإيثار.

   ثم سرى بي الزمن نحو المرحلة المتوسطة، حيث أخذت أسمعها أحيانًا من الأستاذ سليمان، أحد فضلاء من درّسنا، وكان كذلك يضعها في مكانة عالية ولا ينزل بها أبدًا، فلا يُنال شرفها إلا أن يعلو الطالب نحوها بإجابة صائبة على استفسار دقيق، أو سؤالٍ ينمّ عن انتباه وبديهة، أو موقفٍ طيبٍ يبدر من أحدنا، وكانت الأجواء احتفالية حين يقولها أخيرًا، وذاك حين يجد ما يعجبه فيشرق وجهه ويقول للطالب: كفو.. عدة مرات، أولها واضحٌ والبقية ينحدر بها للانخفاض والهدوء، وهو مطرق مبتسم يتأمل ما أعجبه من الجواب أو الموقف، ثم يلتفت للطالب ويقول: إذا قيل لك (كفو)، فقل: (كفوك الطيب).. هيا قلها، فيقولها الطالب، ثم يضحك الأستاذ مرددًا: أحسنت.. أحسنت.

   ومرّت الأيام، لأنتبه بعدها أنها تقال حين يحمي وطيس اللعب، في أي لعبة كانت من ألعاب الناس، وحتى في هذه كانت نادرة حلوة، فلا تقال في أي تقدمٍ يحصل، وكذا لا تقال في أي وقت من أوقات اللعب، بل يجب أن تجتمع لها ندرة الإبداع مع إلحاح الوقت وشدّة الحاجة إلى هذه الخطوة مع التعسّر واشتداد الأزمة قبيل تحقيقها، فإذا تآزرت كل هذه وتتابعت حتى -بالكاد- أحرز أحدهم ذلك التقدم أخيرًا؛ انفجر الجميع بالـ (كفو) صارخين بها، فيكون لها رنين مبهج غاية البهجة، يزيد اللعب أنسًا، والانتصار لذة.

   لم يُنقص ذلك من قدرها في النفس، وكان لها تلك المكانة زمنًا طويلًا، حتى لاحظت في السنوات الأخيرة أنها بدأت تتكرر أمامي عبر مقاطع تصلني في التطبيقات المختلفة، لمواقف طريفة، أو مشاجرات، أو مقالب، فكنت أنصت لمراهقين وصغارًا يرددونها في هامش المشهد تعليقًا على ما يرون من مواقف.

   كانت تلك ملاحظات عابرة، بدأت تكثر مع اقتراب الزمن من وقتنا هذا حتى رأيت هذه الكلمة تبتذل يوميًا، ورأيتها قد تغيرت عليّ، نبرةً ومكانةً ومواضعًا، فلم يعد لها تلك النبرة النبيلة والعفوية (كَفُو) كما أعرفها وأذكرها، بل أضيفت لها مَدّةٌ غريبة وسريعةً بعد كافها، وأخرى مستفزة بعد واوها فصارت تنطق: [ كافوو ]، وأمسى لها ثقل بغيض في اللسان.. والسمع، ثم صادفتها بعد ذلك -عبر مقاطع فيديو- توجه لسفيهٍ يضرب قطّةً بنعاله ويعذبها، ولاثنين يتشاجران مشاجرة السفهاء، ولا أنس ذلك اليوم الذي قررت أن أشرح لطلاب الأول متوسط الدرس في المكتبة لا الفصل، وحين أخبرتهم، صرخ أحدهم وهو يومئ بيده وكأنّه يلقي نردًا: (كافوو!)، فكانت مستفزة غاية الاستفزاز، جعلتني أستذكر آية تحريم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأن من ورائي أهلٌ ومسؤوليات، وأنا أطالع حينها هذه الدمية الصغيرة التي خرجت منها هذه الكلمة المشوهة روحًا وجسدا وموقفًا.

   وكان الأمر واضحًا غاية الوضوح، لا شك أن هناك منافذ اختطفت هذه الكلمة، وعرضتها على الأطفال والمراهقين بأسلوب رخيص ومعان مستجدة غير ما كانت تستخدم له، ولم يستغرق البحث مني عبر جوجل دقائق قليلة حتى رأيت مسلسلات وشيلات، ووسوم في (تويتر) تنفخ في هذه الكلمة بعد تشويه مبناها معانٍ جديدة مخزية وتافهة انحطت بها حتى صارت برخص الكلمات النابية.

   فذاك (كافوو) لأنه يكفر نعمة الله ويؤاخي الشياطين بالبذخ والبطر، والآخر (كافوو) لأنه يكفر بنعمة السيارة ويدمرها ويؤذي المسلمين بها بالتفحيط وما يرتبط به من فسوق وضياع أثمن العمر على أرخص الاهتمامات، وهذا (كافوو) لأنه شرّ الناس منزلة عند الله يوم القيامة، وهو -كما أخبرنا صلى الله عليه وسلم- من يهابه الناس ويتجنّبونه اتّقاء فُحشِه، وذلك (كافوو) لبطولاته الزائفة وهياطه على طبيبٍ في عيادة، أو طباخ في بوفية، أو عاملٍ في محطة بنزين، والبعض (كافوو) لأنّه لم يذاكر من الاختبار شيئًا، فكانت موضع فخر لديه، مع أنّه موضع ندم، فصار يكافأ بها البليد الماهر في التهرب عن مسؤوليات الحياة وواجبات المعيشة.

   إنّ ثناء السفيه الأخرق على أمرٍ بدر منك يجعل هذا الأمر (تُهمة) لأخلاقك وتعاملك وقراراتك، فإن قال لك المغرم بالتوافه: (كافوو) يا فلان، فسائل نفسك: (ما الخطأ الذي فعلته كي يثني عليَّ هذا؟!) بدلًا من الانتشاء بمدحه لك؛ لأنّ مدحه لك مسبّة على الحقيقة، وما تظنّه فعلًا إيجابيًا استحقّ مدح هذا وأمثاله، لعلّه زلّة العمر التي ستندم عليها أشدّ الندم، لتكتشف بعد ذهاب سَكرة الشباب ونشوة الغرور، حين تُقْبِل على سنوات الكهولة والمسؤوليات، أنك لم تكن يومًا: (كافوو) ولا (كفو) !

     تابعت قبل ثلاث سنوات مقطعًا لأحد مشاهير الساخرين الأمريكيين، وفوجئت به في معرض حديثه ساخرًا من فكرة نعيم الجنة وعذاب النار والقبر انطلاقًا من فكرة (الله يحبك) التي لطالما رددها القساوسة في مواعظهم وسوّقوا لها في أساليب (تبشيرهم) بديانتهم، ولا أذكر كلامه على وجه الدقّة إلا أن الفكرة العامة في كلامه أنّ هؤلاء الوعاظ يزعمون بأن (الله يحبّك)، "هه.. كيف يحبنا وهو يصنع النار لأجل بعضنا؟!!"، والجمهور يضحك على ذلك.. بالطبع.

     لم أحتمل متابعة بقيّة المقطع لسببين: الأول منهما.. أنه سخرية بالله تعالى، والثاني.. أنني لم أحتمل رؤية مشهد قائم على (سوء فهم)، فهو قد قال ما قاله بحجج انحرف نحوها من انحراف سابق (الديانة النصرانية)، فهو إنسان تائه يسخر من اتجاه إنسان تائه مثله، وكلاهما يظنّ أنه يسلك درب الصواب.

     ثم رأيت مقطعًا قبل عدّة أيام لداعية مسلم غير عربي فيما ظهر لي، فإذا هو يسوّق ذات الفكرة للحضور: الله يحبكم.. كلكم.

     وفي ظنّي أن الدافع لتسويق هذه الأفكار والدعوات نظرة قاصرة لسنن الله تعالى في الحياة، وأنها محاولة لصنع عالم وردي يصادم مبدأ (المسؤولية) ومن ثم (الثواب) و(العقاب) تحت ظلال (الرحمة) و(الرجاء)، ويزداد الأمر سوءًا حين تراهم (أو ترى أمثالهم) ينطلقون باتهام آخرين بأنهم يغلّبون جانب الخوف، والنار، والموت، ويخوفون العباد من الله تعالى، فباصطناع الضد يتوهمون أنّهم (بحقٍّ أو بدونه) على صواب. 

     و (كلا طرفي قصد الأمور ذميم).

     وأي مسلم مرّ مرورًا سريعًا على شيء من القرآن والسنّة، بل أي عاقل يتأمل مقتضيات هذه الفكرة بمحض فكره، سيرد: ومن قال أن الله تعالى يحبك؟! وكيف تزعم أن النار لمن يحبهم؟!

     ثم لك أن تستدلّ بهذه الآيات المتفرقة: {إن الله لا يحب المعتدين} {والله لا يحب الفساد} {والله لا يحب كل كفار أثيم} {والله لا يحب الظالمين} {لا يحب من كان مختالا فخورا} {لا يحب من كان خوانا أثيما} {والله لا يحب المفسدين} {إنه لا يحب المسرفين} {إن الله لا يحب الخائنين} {إنه لا يحب المستكبرين}.

     ولك كذلك أن تمرّ على هذين الحديثين من السنّة النبوية: (إن الله يبغض كل جعظري جواظ صخاب بالاسواق جيفة بالليل حمار بالنهار عالم بالدنيا جاهل بالاخرة)(1)، (إنّ الله ليبغض الفاحش البذيء).

     أما منزلة (المحبّة) فيكفي في معرفة (فضلها) و(منزلتها) أن تدرك (الزّادَ) الذي تجاوز به الطريق إليها، يقول الله تعالى في الحديث القدسي: (ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته).

     المحبّة (منزلة) و(رتبة)، لن يبلغها في قلوبنا إلا من رأينا منه البذل والإحسان والصدق، فلا يمكن أن نقبل هذا الزعم ابتداء من أي أحدٍ كان دون سابق اجتهاد لبلوغها حتى يستحقها في نفوسنا، فكيف لو كان يزعم أنه يحبنا، وهو يقترف من الأخلاق ما يخالف هذا الزعم؟ ولله المثل الأعلى.

     ولك أن تتأمل الآيات، ثم أرجع البصر مرّتين على (ما يزال) و(حتى) في الحديث، لتدرك أن هذا الدين (عدل) و(مسؤولية): {فمن يعمل مثقال ذرّة خيرًا يره * ومن يعمل مثقال ذرّة شرًّا يره}، ونحن في دنيانا ننظر شزرًا لمن يقعد عن العمل ثم يطلب المجد، ونزداد اشمئزازًا حين نرى من يطمئنه ويزيده خلودًا إلى الأرض، ونشهد على جنون من يطلب الفلاح في الدنيا ويرجوها دون عمل، فكيف رضينا ذلك في ديننا؟! وما نقول في والدٍ يقول لولده: "ستنجح في حياتك العملية". والولد مرتخ على وسائد الكسل؟!

     إنه من المؤلم أن تجد بعض الملأى بالطوام من الأفكار والشبه يقضي عمره كلّه يهدم دين الله تعالى حجرًا حجرًا، وينقض أحكامه وأصوله وفروعه ويسخر من أهله، ثم يرى بسبب فكرة (الله يحبك) أنه لم يصنع شيئًا، وقد رأيت فاسقًا يجاهر في إحدى القنوات بطوامه، فلما سُئل في ذات اللقاء عن ظنه بملاقاة الله، قال أن الله -تعالى- سيربت على كتفه ويثني عليه، كطالبٍ يحسن الظنّ بالنتائج ولم يذاكر ولا حتى سوّد صفحات الاختبار بما يبيَض الوجه.

     (ألا ترى كيف يسمم المفكرون الحياة، ويجعلون من النية الطيبة مكانًا لسؤالٍ آخر؟)، النيّة الطيبة لنشر هذا المعنى (الوردي) وزرعه في قلوب الناس لن يستدعيهم إلى أعماق مساحات الثقة والطمأنينة، بل سيؤدي لأسئلة أخرى تزعزع ثقة الناس في مبادئهم.. ودينهم.

________________________________
(1) (رواه أحمد وغيره بألفاظ مختلفة، وصححه الألباني. ومعنى الجعظري: المتكبر الجافي عن الموعظة، وقيل: الفظ الغليظ. وقيل: هو الذي يتنفخ بما ليس عنده. والجواظ: هو الأكول الشروب البطِر الكفور، وقيل: المختال في مشيه الغليظ الفظ. والسخاب -بالسين والصاد-: كثير الخصام، والسخب في الأسواق كثرة الخصام ورفع الصوت فيها. ومعنى جيفة بالليل: كناية عن كثرة نومه وخموله وعدم قيامه لصلاة الليل. ومعنى حمار بالنهار: أنه بليد في فهمه، منهمك في عمله الدنيوي لا يلتفت إلى سواه من الطاعة والعبادة.. فإذا جاء الليل استلقى على فراشه وبقي كالجيفة إلى الصباح. وهو- مع هذا- عالم بأمور دنياه ولكنه جاهل بأمر دينه لا يهتم به ولا يسأل عنه. والحديث تنبيه وتعليم للمسلم أن يبتعد عن هذه الصفات الذميمة ويتحلى بضدها من صفات أخلاق الإسلام الفاضلة.

.
 

مقالي المنشور في صحيفة مكّة، العدد (909)، يوم السبت 04/شوال/1437هـ - 09/يوليو/2016م.




    قيل الكثير عن عدنان إبراهيم، وكل التسميات التي وصف بها لا تهمني مطلقًا، سآخذ هذا الرجل وأضعه في معمل يهتم بالمعلومة التي يبني عليها مئات الشتائم و(الحقائق!) التي يغرّد بها لسانه كـ (طاغية.. دجال.. قرد.. حقير.. قرد القرود.. عفريت) وهذا في مقطعين، واختياري لهذين المقطعين كان عشوائيًا، ثم أقوم بعد مشاهدة المقطعين بعمل تجربتين دقيقتين كما أزعم لمعرفة (مصادر) هذا الشخص، لأن المصادر هي رأس ماله الطبيعي التي يبني عليها هذا من الإستعراض الخطابي، فالرجل أسلوبه كالتالي: يأتي برواية.. ثم يقوم باستعراض خطابي ينفخ فيه ويزيد ويبدي ويعيد، وهذه الأساليب ينبغي ألا تنطلي على الشاب الذي يثق بأهمية (التثبت) و(التساؤل) في تحصيل المعلومة.

    مع التنبيه بأني غير مهتم مطلقًا ونهائيًا وبكل سرور بإقناع أي شخص يُستفَز أو يقع في نفسه أنه المقصود حين تصل لأذنه جملة (أتباع عدنان) ونحوها من مخلّفات المعارك والمراء في شبكات التواصل، فأنا أكتب هذا المقال وأقدمه لأهل الوعي ومن أهابهم لعلمهم وعقلهم من الشباب الحصيف.

    على أيّة حال.. دعوني آخذ العينة بالمنقاش ولنضعها سويًّا تحت المجهر:

  ( 1 )


     في هذا المقطع الذي وصف فيه عدنان إبراهيم الصحابي معاوية رضي الله عنه أنه (طاغية) وأن (أسلوبه حقير) وأنه (دجال).. إلخ.

    هنا عدنان يأخذ رواية ثم بناءً عليها يشتم ويلعن ويحتقر ويرفع صوته، وبما أن هذه الأساليب لا يمكن أن تنطلي على من لديه ذرة عقل، فإذن.. لنفكر بتأني: عدنان إبراهيم شتم معاوية بناءً على روايات،  فأوّل أمر يفرضه العقل السويّ على صاحبه المستمع لهذا الكلام أن يسأل نفسه بعد سماع الرواية وقبل أن يتابع في الاستماع للبكائيات المبنية على الرواية فيقول: من أين أتى بالرواية؟! هل هي من مصادر الشيعة؟! فإن كانت من مصادرهم فهي لا تعني أهل السنة والجماعة لأن مصادرهم مختلفة تمامًا ومصادمة لمصادرنا وطريقها لا علاقة له بطريقنا ومنطلقاتها مختلفة تمامًا عن منطلقاتنا.

     فأما إن قال: هي من كتبكم يا يا أهل السنّة، فكتبنا فيها الضعيف والموضوع والصحيح والحسن والحسن لغيره، وهناك علم يتعلق بالسند وآخر يتعلق بالمتن، وهناك الجمع بين الروايات.. وغير ذلك.

    إذن.. لنأت إلى هذه الرواية بعد استبعاد شوائب (النواح) عنها.

    هذه الرواية التي قالها عدنان في المقطع:

    (عن ابن عمر قال: دخلت على حفصة ونسواتها تنطف، قلت: قد كان من أمر الناس ما ترين، فلم يجعل لي من الأمر شيء. فقالت: الحق فإنهم ينتظرونك، وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة. فلم تدعه حتى ذهب، فلما تفرق الناس خطب معاوية، قال: من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه، فلنحن أحق به منه ومن أبيه. قال حبيب بن مسلمة: فهلا أجبته؟ قال عبد الله: فحللت حبوتي، وهممت أن أقول: أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام، فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع، وتسفك الدم، ويحمل عني غير ذلك، فذكرت ما أعد الله في الجنان. قال حبيب: حفظت وعصمت).


    إذن؛ بناء على هذه الرواية شتم العينة عدنان إبراهيم معاوية شتمًا مقذعًا لا يدلّ على خلق عال ولا أدب سويّ كما رأيتموه في المقطع، مع العلم أن العيّنة بدأ أول تدليساته في أول المقطع الكامل من المحاضرة (فزاد من عنده!) على الرواية بالنص بهذه الطريقة: (وقال معاوية وهو ينظر لابن عمر: من كان يريد أن يتكلم..!!) وكرر هذه التدليس الصريح حين قال وكأنها نص في الرواية: (يعرّض بعمر بن الخطاب) وهذا ليس في الرواية إطلاقًا.. وهذا في البداية!!

    المهم.. لنرى الآن حقيقة هذه الرواية في هذا البحث الذي أعدّه أحد الدكاترة قبل سنوات من ظهور العيّنة عدنان، فهو بعيد عن سياق المعارك الإعلامية الحاصلة الآن، من يبحث عن الحق ليقرأ هذا الكلام إن كان مهتمًا فعلًا وليس مجرد معاندة، أما صاحب الهوى فلن يعجبه العجب ولن يقتنع ولن يقرأ المكتوب أصلا، وهذا مضيعة للوقت والجهد، ولا فائدة من استدعائه أو تنبيهه، بل الفائدة في تجاهله حتى يدرك جهله:

    البحث بعنوان (4 روايات باطلة) للشيخ سليمان الخراشي، ستجده بيسر عبر محركات البحث بسهولة.

    إذن؟!! فتلفظ عدنان هنا ضد معاوية رضي الله عنه جاء في هذا المثال بناء على:

       1. تزويده على الرواية بألفاظ من اختراعه وإضافته.
      2. رواية عليها كلام واضح من المتخصصين بعلم الحديث.

    فأي ظلمٍ هذا لمعاوية؟! وإن الإنسان العاقل لتشمئز نفسه من مواقف الكذب إن اكتشفها في صاحبٍ أو زوج، فما بالك إن وجدتها فيمن رأى من نفسه أمامك موجهًا ومعلمًا.

 

 ( 2 )

    ونأتي الآن إلى المقطع الثاني للعينة عدنان إبراهيم، وكالعادة يأتي بالقصة على السريع ثم يصنع حولها لطميّة وصياح ونياح ومبالغة في الصراخ والتمثيل كي يحقن القصة بالغصب في قلوب الناس قبل عقولهم، شاهدوا المقطع وركزوا بداية في قوله "أبو الغالية ((الذي ثبت)) أنه قتل عمار بن ياسر" بدون أي تفصيل يتعلق بقوله (الذي ثبت)، ثبت وبس يا جماعة، بدون (كيف؟ ولماذا) وإنما (ثبت) والمفترض أنكم لا تسألون وإنما تسلكون معه حيث سلك.

 

    وهنا عدنان يحاول أن يقطع تزكية الله للصحابة في بيعة الرضوان من خلال هذه الشبهة، ولذا.. نعلم هنا جيدًا أن الأمر لا يتعلق بمعاوية رضي الله عنه وأرضاه بل بكلّ الصحابة، فلذلك يحاول هنا أن ينزع منهم الرضى، ويحاول أن ينزع البشرى بالجنة لهم.

    يقول العيّنة عدنان إبراهيم في ذات المقطع أيضًا: ثبت وصح عن رسول الله!!. دون ذكر أي مصدر واحد على هذه الجملة الخطيرة، فقط ثبت وصحّ وعليكم التسليم. وكأن الأمر يتعلق بفتوى عابرة أو بدرس فقهي هادئ، وليس بقضية تمسّ وحدة الأمة ولها تأثير مباشر على كوارث سياسية وفكرية تمرّ بالمنطقة، وأنّ هذا الإثبات تُحَد له السكاكين وتُشعل بسببه المفخخات وتموج له الفتن المظلمة، وهذا كثير في نتاج هذا العيّنة، دائمًا يردد: ثبت.. صح.. وهذي قاعدة، فهو يعتمد على غباء أو جهل أو تسرع المتلقي، وإلا فاكتشاف تدليسه أو كذبه أو خطئه (في أقل الأمر) يكفيه ساعة من نهار، وقد كنت أستغرب صمت من أمامه واستسلامهم، فلا سؤال أو تعقيب، حتى رأيت صورة له وحيدًا في مسجده الصغير (مع المصوّر بطبيعة الحال) والكاميرا أمامه ويلتفت كأنه يخاطب جموعًا مع أن المكان فارغ، ثم رأيت مقطعًا للكويتي عبدالحميد دشتي وهو يصنع ذات الحركة المسرحية وكأنه يخاطب جمهورًا عريضًا، مع أنّه لوحده، فضحكت، وتعوّذت بالله من الريال الإيراني، ثم عتبت على الريال السعودي والدينار الكويتي!!.

    أما الحديث الذي ذكره بأن قاتل عمار وسالبه في النار.. فلم يثبت كما وضح ذلك الكثير من علماء السنة في القديم والحديث وقبل أن يولد عدنان، كالذهبي وابن حجر وابن عدي والفلاس وابن حبان وغيرهم كثير جدًا: (في الحقيقة لا أعلم عن وجود غيرهم لكن هذي بروفة لكم أعزائي القراء كي تعلموا من خلالها سهولة التدليس واللعب على عقول المغفلين ممن تنطلي عليهم هذه الأساليب، فإن صدقت فأنت على خطر من أن تكون مرفاعة بارك الله فيك)، ومن جهة أخرى يقول الباحث اليامي فيما يتعلق بقتل أبي الغادية لعمار رضي الله عنهما: (لم نجد رواية ثابتة جاءت من طريق صحيح لإثبات قتل أبي الغادية لعمار، وهو ما أكده شيخ الإسلام ابن تيمية: «لا بد من ذكر الإسناد أولاً فلو أراد إنسان أن يحتج بنقل لا يعرف إسناده في جزرة بقل لم يقبل منه، فكيف يحتج به في مسائل الأصول؟!» "منهاج السنة النبوية 8/110")، ومع ذلك يثبته ويستشهد به ويلطم حوله ليلغي فضل بيعة الرضوان، لكن الحديث لم يثبت لذا احذفوا من المقطع كل الدقائق التي لطم فيها حول أبو الغالية لينزع الرضى عن الصحابة، فهو كسابق: بُني على حديث باطل.

*          *          *

    ثم انظر لكلام العيّنة عدنان إبراهيم حين أراد أن يثبت أن عبدالله بن أبي المنافق بايع في بيعة الرضوان، وذلك كي يثبت أن الرضى في الآية ليست مطلقة؛ لأن هذا المنافق -بزعم عدنان- قد بايع، فكيف يكون مرضيًا عن الجميع وهو منهم؟!! حسنًا.. ماهو مصدره على مبايعة عبدالله بن أبي؟! مصدره ما ذكره بعظمة لسانه في ذات المقطع (كما تذكر كتب السير)!!!

    يا سلام.. يا سلام سلم على المصدر!! هذا نفس الشخص الذي كان يزعم قائلًا بإلحاح: (أنا ما أجيب إلا من الصحاح)؟! ثم يأتي بروايات من كتب السير التي تحوي الصحيح والموضوع وحتى الخيال العلمي!! كتب السير التي ذكرت فيها قصص الجن والإنس وعاد وثمود وأصحاب الأيكة والعمالقة وحروب الجن كأنها برنامج واقع!! أهذا مصدره؟! حكايات ألف ليلة وليلة؟!!

    والطريف أنه قالها مرة أخرى بشكل سريع وبنبرة خافتة لأنه يعلم جيدًا أنها من حطب الليل، وبملامح لايوجد أدنى شخص لديه ذرّة فراسة وتأمل في الوجوه يخفى عليه خجله من ذكر المصدر، شاهدوا (وركزوا) في نفس المقطع في الدقيقة 2:48 لما رفع صوته وقال بنبرة واثقة عن مبايعة عبدالله بن أبي: (حتى تعرفوا أنه من المبايعييييين.. حتى ما تنسوا هالمعلومة) ثم رفع صوته أكثر وببطئ وتركيز قائلًا: (عبدالله كااان من المبايعيييييين!) ثم فجأة!! فجأة يا جماعة!! انخفض الصوت سريعًا وتسارعت نبرته وابتلع الأحرف وتيبست ملامحه وهربت عينه بعيدًا حين جاء ذكر المصدر، حيث قال في أقل جزء من الثانية وبأخفت صوت سمعته من حلقه منذ سمعته: (موجودة في السيرة!!) كأسرع جملة قيلت في التاريخ، لو تحوّلت هذه الجملة إلى إنسان عدّاء في أولومبياد 1938 لقام هتلر من مكانه بسببها وليس بسبب جيسي أوينز كما يزعم الأمريكان، قالها وكأنه يلقي عيبًا فعله، بدون حتى ذكر كتاب أو صفحة.. أو أي شيء.

*          *          *

    ومن استطراده الطريف أنه زعم بطريق غير مباشر أن الدكتور عثمان الخميس دافع عن عبدالله بن أبي المنافق واعتبره صحابي، وذلك حين قال العينة عدنان إبراهيم -كما في المقطع- يشتم عبدالله بن أبي: (قال ابن أبي: شفناه قبل كذا.. ههههه.. وين شفته يا قرد؟!) ثم التفتَ بحركة هوليودية للكاميرا وقال موجهًا حديثه لعثمان الخميس: (علشان تقول لي يا عثمان الله يسامحك: كيف تقول لي عن الصحابة قرد؟!! والله قرد القرود هاي، والله قرد وعفريت هذا!!) ضحكت كثيرًا على هذا الافتراء اللحظي، لم أعلم أن للافتراءات وجبات سريعة، يعني أنت للتوّ واللحظة قلت كلمة (قرد)، وضد من؟! ضد مَن كل أهل الإسلام على اختلاف مذاهبهم وأولهم الدكتور عثمان يجمعون على أنه من فئة المنافقين في العصر النبوي، ثم قلت: علشان ما تقول لي كيف تقول عن الصحابة قرد؟! ياللسخرية، منذ متى والدكتور عثمان الخميس يعتبر عبدالله بن أبي صحابي حتى تزعم أنك ترد عليه؟! ومتى رد أصلًا وأنت للتو قد تلفظت بكلمة (قرد) التي زعمت أنه ردّ عليك بها؟!! لكن هذا خلط سخيف منه وسخرية مستفزّة بعقول من يتابعه من أهل النُهى.

 *          *          * 

    ومن عجائبه في هذا المقطع نسبته لجملة قالها أبو بكر الصديق.. فنسبها لعمر بن الخطاب، وزيادة على أنها لأبي بكر وليست لعمر كما زعم، فهي في الأساس لا أصل لها، يقول الدكتور عائض القرني عن هذه الرواية: (يوجد أثر يروى -وهو موجود في بعض الأشرطة- يقولون: أرسل الله جبريل إلى محمد عليه الصلاة والسلام، فقال جبريل: "يا رسول الله! إن الله يقرئك السلام، ويقول: أقرئ أبا بكر السلام، وقل له: هل رضيت عني فإني قد رضيت عنك؟" فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر أبا بكر وقال: "إن الله: يقرئك السلام ويقول: هل رضيت عنه، فإنه قد رضي عنك؟ قال: نعم. ولكن والله لا آمن مكر الله، ولو كانت إحدى قدمي في الجنة والأخرى خارجها".

   هذه قصة مكذوبة، إنما نبهت عليها لأنها موجودة في بعض خطب الجمعة لبعض الناس، هذه لا تصح وهي مخالفة للنصوص، وسندها باطل، ولم يحدث شيء من ذلك أبداً، فلينتبه إليها المسلم، وفيها ملاحظتان:

        أولاً: الرجاء مطلوب، وأبو بكر صاحب رجاء.
        ثانياً: هذه الصيغة لم ترد، وسندها واه جداً، بل لم يثبتها أحد من أهل الصحاح) انتهى.

*          *          *

    أيضًا في ذات السياق ذكر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (إن من أصحابي من لا يراني..) وذكر موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه وخشيته على نفسه، والطريف أن هذا الحديث كثير ما يستدل به بعض القصّاصين الشيعة للدلالة على نفاق عمر.. حاشاه، بينما هو للدلالة على (ورع عمر) وهذا أمر لن تفهمه القلوب التي اختارت أن يكون طرحها مبني على الحقد والكره والبغض للصحابة، لأنها تفرح بأي كلمة ينتقص فيها الصحابي من نفسه ورعًا وخشية من الله إلى كونها إقرارًا بسوء النفس. وما بشّر النبي صلى الله عليه وسلم عمر بالجنة إلا لهذه الصفات والمواقف العظيمة التي اتصف بها، فهم اختاروا موقفًا يقرّب عمر من الجنة، ليجعلوه أحد أسباب نفاقه!!، وهل نسينا أن محمد صلى الله عليه وسلم كان من دعائه: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على الإيمان!!! ألم يُبشَّر النبي بالجنة وبالحوض وبالرفيق الأعلى؟! فمما يخاف إذن؟ وكيف (بهذه العقلية) يخاف صلى الله عليه وسلم من انقلاب قلبه عن الإيمان مع أنه يعلم بعصمة الله له؟! ألا يثق بوعد الله تعالى؟

    الجواب: الأمر الذي لم يفهموه أو ربما لا يريدون أن يتقبلوه لطبيعة العقيدة المترسبة مسبقًا أن هذا هو الورع والخشية من الله تعالى، ولذا كان الصحابة يخشون من الفتنة إلى آخر لحظة من حياتهم، وكذا الرسول نفسه كان يسأل الله الثبات.

    ولمزيد توضيح، تخيّل معي لو أنّ أبًا كان على فراش الموت يحيطه أولاده والدكتور والممرضين، ثم قال الأب لأولاده: أنا مقصّر معكم كثيرًا. لتتخيل حينها أن أحد الأولاد صاح في والده: (إيش! والله كنت حاس، لكن اعترفت بلسانك، والكل أنصت لكلامك.. i hate you dad.. i hate you..) أي ظن ستظنونه في هذا الولد؟!، أما أنا فأجزم أن الدكتور سيخنقه من الخلف وبقية الممرضين يبعجونه مع.. اممم.. مع بطنه.

*          *          *

    أما حديث المسيب الذي قال فيه للبراء بن عازب رضي الله عنه: طوبى لك، صحبت النبي صلى الله عليه وسلم وبايعته تحت الشجرة، فقال: يا ابن أخي، إنك لا تدري ما أحدثنا بعده. (رواه البخاري)، فكما سبق معنا، تفسير مثل هذه الأحاديث يرجع إلى نفس المفسر لها كحديث عمر بن الخطاب تمامًا، من لديه مشكلة مع الصحابة لا مانع لديه من أن يسيء الظن ويفسر على ما يشتهي، ومن أحبهم وعلم قدرهم عرف أن كلام البراء بن عازب رضي الله عنه من باب الورع والخوف من الله والشوق لأيام الصحبة لرسول الله والذي لا يمكن أبدًا أن تقارن الأيام التي بعدها بأيام رسول الله، وقد أظلمت المدينة بعده وكان فقده مصيبة عظيمة بقيت في نفوس الصحابة رضوان الله عليهم.

    وأعظم دليل يوضح هذا المعنى هو حديث (نافَقَ حنظلة) الذي حصل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهو حي بين ظهرانيهم حيث شكا الصحابي حنظلة رضي الله عنه أنه حين يجلس مع النبي عليه السلام يجد في نفسه لذة الإيمان وانشراح الصدر، وحين يرجع إلى أهله وعمل يومه يجد قسوةً في قلبه وتغيّرًا، فلم يقل حنظلة رضي الله عنه (لا تدرون ما أحدثت بعد مجلس رسول الله) بل نصّ على نفسه بالنفاق وقال عن نفسه (نافَقَ حنظلة!) فلم يوافقه عليه الصلاة والسلام على هذا الوصف وأخبره صلى الله عليه وسلم بحقيقة الأمر وأنهم لو كانوا على الحال التي هم فيها عنده لصافحتهم الملائكة.. إلخ، ولم يقل -حاشاه عليه السلام- هذا القول الذي سينص عليه من يفكر كهذا العيّنة لو كانوا قد قابلوا حنظلة: (صحيح.. صحيح.. أنت قلتها بعظمة لسانك يا حنظلة، أنت منافق، كيف تصير مؤمنًا أمام رسول الله عليه السلام ثم تتغير نفسك بين أهلك؟ ثم إنك قد قلت بعظمة لسانك أنك نافقت، فأنت إذن منافق بالضرورة!!!

    لذا يُنظر إلى هذه الأحاديث من جانب ورع الصحابة وخوفهم من الله تعالى وحذرهم من النفاق والكفر والفسوق والعصيان.

*          *          *

    أما آية (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) فقد أتى العيّنة عدنان إبراهيم بحجة الإثنى عشرية إذ يجعلون رضى الله هنا مقيدًا بمجرد البيعة، أي: رضي الله عنكم وقت مبايعتكم فقط. مع أن رضاه تعالى عنهم مطلق لأنه علم ما في قلوبهم مسبقًا، ثم ماذا عن قوله تعالى عن المهاجرين والأنصار (وفيهم أهل بيعة الرضوان): (رضي الله عنهم ورضوا عنه) هل تريد أن سنقيدها إلى سوء الظن كالأمثلة السابقة؟! الله عز وجل لا يرضى إلا عن مرضي يعيش على الرضى ويموت على الرضى، كما قال تعالى عن أبي لهب وهو حي يُرزق وقتها: (سيصلى نارًا ذات لهب) فعاش ومات على الشرك، لأن الله علم ويعلم أنه يعيش على الكفر ويموت على الكفر، لكن هذه النظرة نظرة من لم يقدر الله تعالى حق قدره، فيقيس عظمة الله تعالى بنفسه البشرية، يقول الكلام فيأتي الواقع مناقضًا لما قاله فيظن أن هذا يحصل مع كل أحد، لكنّ الله تعالى عالم الغيب والشهادة، وعالم بما كان وما يكون، فحين يُلبس الرضى قومًا في كتاب محفوظ إلى آخر الزمان فإنه يعلم أنهم قد بايعوا على الرضى وسيموتون على الرضى.

    أما قوله عن سعيد بن المسيب فيكفي فيه خلطه المتعمد بين بيعة الرضوان (وهذا ما يختص بابن عمر) والشهادة بالجنة وهذا موضوع آخر وهو الذي يرى بن المسيب عدم ذكره لأن لفظة الشهادة بالجنة لم ترد إلا في فئة معينة.

*          *          *

   هاتان تجربتان أثبتتا أن عدنان إبراهيم يستغفل المتابع له ويتكئ على بساطته ويعتمد اعتمادًا كليًا على أن يكون متابعه مغرورًا بجوانب الجهل عنده (وكل إنسان عنده هذه الجوانب فالمغرور بها يسهل استغلاله بأي معلومة تتصف بالصدمة)، بينما لو كلف هذا المتابع نفسه بالتثبّت ليلة واحدة على الطريقة التي اتبعتها هنا سيكشف بسهولة أساليب هذا الرجل وتعمده التدليس وخلط الحابل بالنابل.

    لا يهمني إطلاقًا إن كان هذا العينة سني أو شيعي أو كتابيّ أو مرتزق أو زنديق إلخ هذه التسميات، المهم هو: ماذا قال لي، وماذا صنعت بقوله ما دمتُ مهتمًا؟

.

    في معرض ذكره لصلته بالأديب الشاعر زكي مبارك في كتابه الماتع (من أعلام العصر)، مرّ د. محمد رجب البيومي على موقفٍ جرى بينه وبين (الدكاترة زكي) فقال:

    «حرصت على أن أديم لقائي بالدكتور مبارك، فساقتني قدماي إلى جريدة البلاغ ... فما إن رآني الرجل الطيب حتى نهض مرحبًا ومحتضنًا ... وسألني: أين ديوان ألحان الخلود؟» وهو ديوان شعري لزكي مبارك نفسه.

    يكمل البيومي: «فقلت: هو في صدري أحفظ أكثره، قال: وأي قصيدة أعجبتك؟ قلت: قصيدة بغداد! فقال: الله أكبر! لقد أُعجب بها شاعر العراق الكبير الأستاذ محمد رضا الشببني وزير المعارف الأسبق؛ لأنه ناقد، وضاق بها علي الجارم الموظف بوزارة المعارف؛ لأنه حاقد! قلت: القصائد ترتفع عند قوم، وتنخفض عند آخرين؛ لاختلاف وجهات النظر. فقال الدكتور: من أين جاءك هذا الاحتيال؟ الحقّ هو الحقّ، ولن يكون الاختلاف أبدًا في القصائد الممتازة، ولكنه يكون في القصائد المتوسطة التي تحمل القوّة والضعف معا، فيميل قوم إلى الإغضاء عن المحاسن لتجسيم المساوئ، ويميل قومٌ إلى تضخيم المحاسن ليقضوا على المساوئ، وقصيدة بغداد كلها محاسن..»(1).

    طربت كثيرًا لهذا الردّ من الدكاترة بغض النظر عن موضوعه، فمن الجُمَل والعبارات والقواعد ما تكون كالسَّحاب العريض الذي لا تُرى أطرافه، فهو يظللك.. ويظلل الآفاق كذلك، وهو يُسقط المطر عليك وحواليك وما وراء تلك النواحي، وتمرّ على القارئ فترة طويلة يصير فيها تقييد الشواهد والأقوال والمسائل روتينًا معتادًا، حتى تأتيك بعض العبارات والإلتقاطات التي تنفض ما بداخلك فتفزّ لها، ولعلك تقتنصها في مقام لم تحسب لورودها فيه الحساب.

    بعد أن انتهيت من قراءة تلك العبارة وقفت أتأمّل إسقاطها على العديد من المسائل الشرعية والفكرية التي نهشها (المحتالون) من أرباب (حزب الكنبة الفكري!) الذين أثبتت التجارب البائسة في الحوار معهم أنهم لا يصلحون للنقاش العلمي الجاد والمخلص، وإنما الواجب أن نخرج معهم خروج زكي مبارك الفطن بالبيومي، فنقول بكل ثقة: من أين جاءكم هذا الاحتيال؟!

    إن زكي مبارك ما سأل هذا السؤال إلا لاطمئنانه بجودة تلك القصيدة، واستدلاله بحكم من يثق به فيها، فما سأل إلا لإيمانه العميق بكمال محاسنها، فيا ليت شعري أيّ اطمئنان يجده من يخلق الخلاف، أو يبحث عنه، فإن وجده كان استدلاله به أشدّ من استدلاله بالوحيين؟!

    البعض سلك مسلكًا عجيبًا في اصطناع الخلاف في المسائل الفكرية وإذابتها حتى تكاد تسأله: فما جدوى التوبة إذن؟ ومما يتوب الإنسان؟!! وبالمناسبة: من أين جاءك هذا الاحتيال؟!

    إنّ (نعم) التي سأقولها ردًا على من سينشر المنشور ويؤكد على أنّ الخلاف من سنن هذه الحياة، هي نفسها (نعم) التي يؤكدها زكي مبارك في وجود القصائد المتوسطة، والقبيح منها والحسن، فهو يقول بثقة مثيرة للإعجاب: نعم، أعلم أن القبح موجود، والجميل موجود، وأعلم أن هنالك قصائد متوسطة، وأخرى رديئة، لكني مع استحضاري لكل ذلك أؤكد لكم على أنّ قصيدتي كاملة المحاسن؛ فلا يشترط في وجود القبح أن يوجد في كلّ شيء.

    وفي أمور الدنيا، لو سألت أحدهم عن استحقاقه لقيمة راتبه في وظيفته الحكومية، وجادلته حول مصيبة تضخم القطاعات الحكومية حتى تصير ثقبًا أسودًا عظيمًا يبتلع مقدرات البلاد، ويتسع سنويًا فيبتلع المقدرات أكثر، ولا بدّ يومًا أن يؤدي للانهيار؛ لرأيته ينتفض أمامك وتنتفض معه كلّ ذرّة من جسده مدافعًا بشراسة عن عدالة رأيه، وأنّه حقّ كله، بل إنه حقٌّ ناقص يحتاج لدعم أكبر.

    هذه الانتفاضة التي نراها كل حين وآخر في دنيا الناس هي بعينها الإيمان بالمبدأ، وهي هي أخذه بقوّة، ولا يكون هذا إلا بمثل هذه الثقة المفرطة والاعتداد بالرأي والثبات عليه والعزيمة في ذلك إن تيقن ثبوته تمام اليقين، وإنّ هذا لاختيال تبغضه النفوس النبيلة.. إلا في مثل هذه المواطن.

    نعم.. حريٌّ بنا استيعاب أن الخلاف سنّة في الحياة، ولكنه ليس سنّة في كل تفاصيل الحياة، وليس كلّ خلاف وجد هو خلاف حق، لأن بعض المسائل كلّها حق لا تحتمل غير الحق، وكل خلاف حولها باطل مهما علا ضجيجه ومهما كان كثيفًا، ولو أننا استحضرنا هذا الأمر في أذهاننا عند كل نقاش، لذهب الكثير من اللغط، ولم يبق منه في مواقعنا الإلكترونية إلا لغط المأجورين والجيوش الإلكترونية ومن طبع الله على قلبه فباع نفسه وفكره وقلمه لغرض من الدنيا قليل!!

*          *          *

    ولنضرب مثلًا شرعيًا لمسائل ينطبق عليها (كليّة) زكي مبارك التي حملت المحاسن جميعها على قصيدته، مسائل كلها حق ومحاسن؛ كمسألة غضّ البصر، يقول الله عز وجل: ﴿قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم﴾، وقال ﷺ: «غضوا أبصاركم»، وعن جرير بن عبدالله قال: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن نظرِ الفُجاءةِ، فأمرني أن أصرفَ بصري.

    ومن المسائل التي كلها حق كذلك، أن المجاهرة بالمعصية نزْعٌ للعافية من أي فرد أو مجتمع يقترفها، قال ﷺ: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين»، وعافية الفرد في صحته وماله ودينه ونفسه وأحبابه، وعافية المجتمعات في أمنها ورخائها وحيويتها وتكافلها.. فالمجاهرة نزع لبعض ذلك أو كله.

    فالمحصّلة إذن من هاتين المسألتين والنموذجين أنّ غض البصر حق، ما يعني بالضرورة أن مخالفة هذا الأمر وإطلاقه معصية صريحة، فإذن، إن تأملنا المثل الثاني تيقنّا أن المجاهرة بإطلاق البصر هو مجاهرة بالمعصية ينزع العافية من الفرد والمجتمع، فإن جمعت هاتين المسألتين وجعلتهما أمامك ثم تأملت فيهما وتذكرت أن الوحي أمر بغض البصر والنساء محجبات، لكان من حقك أن تتساءل: يا إلهي! أنا أنظر إلى هذا الحقّ الصُراح، وأؤمن به لأنّه حقّ كله لا سبيل إلا إلى الإيمان به؛ فمن أين جاء البعض بالاحتيال في مسألة السينما؟! كيف يجتمع غض البصر وتلك الشاشة؟!!

    ومن الأمثلة التي كلها حق: أنّ البشر غير معصومين، وأنّ عدم عصمة الإنسان لا يعني ألا يَنصح ويُنكر ويوجّه.. وإلا انقطع النصح والتوجيه بين الناس، ولم يستطع والد أن يربي ولده، ولا أستاذ أن يوجّه تلاميذه، وإنّ الحقّ لا يصير باطلًا لأنّ قائله قصّر في تطبيقه أو زلّ في مخالفته، أو لأنّ ناقله فيه من السلبيات ما فيها.

    هذا حق كلّه، لا يعقل أن تجد من يخالفه، وعليه.. فلا تنطلي عليك أساليب المشبوهين في مواقع التواصل وغيرها، فيستدلون بزلّة عنصريّة قال بها أحد المنسوبين للعلم وأهله على إبطال حجّته في مسائل شرعيّة كثيرة (خصوصًا في أبواب التغريب التي لم تزل ميدانًا عظيمًا من أخطر ميادين المواجهة بين حضارتنا وحضارات غيرنا في هذا العصر)، بينما يصبح المشتوم في شكله أو لونه على حقّ دائمًا.. لأنه شُتِم فقط!، لا يليق هذا الفكر بالعقول الواعية؛ بل يُنكر الفعل ولا يُمدّ أثره لينكر الحق، وقد علّم الشيطان الأمّة بعضًا من فضل آية الكرسي؛ فمن أين جاءك هذا الاحتيال التافه؟!

    ولا ينطلي عليك تقصير الناصح أو علمك ببعض ذنوبه أو زلّة قام بها على ردِّ ما ساقه إليك من الحقّ، لأنّ تقصيره عليه، أما الحقّ الذي يقوله فعليك وعليه، فإن سبقك بنقل الحقّ وقصّر في تطبيقه فاسبقه إلى العمل به، وإلا.. فلأبنائك الحق أن يدخّنوا إن كنت تفعل، أو يفشلوا في دراستهم ووظيفتهم إن كنت يومًا كذلك، ولك الحقّ أن تعقّ أوامر والدك كلها إن رأيت منه زلّة أو زلّتين، وربما تصوّر ما فعل بتغريدة على تويتر أو خاطرة على فيسبوك وتستشهد بها فيعذرك الناس لردّ أي نصح آخر يقوله!.

    نحن بحاجة إلى الاعتراف بقَدَر التقصير، كي نفرّ إلى قدر التوبة: «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم»، فكيف يحتاجها من يحمل الحقّ والباطل معًا في كل مسألة؟! فيرى التقصير حقًا آخر، وقد يصل البعض إلى رؤية بعض مظاهر الكفر والفسوق والعصيان كزوايا أخرى للحق أو بعض الحق إذ احتال عليها بحيل الخلاف في كلّ مرّة.

مقالات ذات صلة:
_____________________________
(1) (من أعلام العصر، كيف عرفت هؤلاء؟)، د. محمد رجب البيومي، الدار المصرية اللبنانية، ص:90.



    في أوّل سنةٍ لي في الجامعة قبل ثلاث عشرة سنة زارني أحد الأفاضل في شقتي بمدينة بريدة حيث كنت أدرس في جامعة الإمام (جامعة القصيم فيما بعد)، وكنت يومها مستجدًا لم يمرّ شهرٌ على سكني في هذه الشقّة ودراستي في تلك الجامعة.

    كان ذلك الفاضل يكبرني بأعوامٍ عديدة، وقد تخرج من ذات الجامعة قبلي بعدّة سنوات، ولم يعد لمدينة بريدة منذ ذلك الوقت، وكان متحمسًا للزيارة وقتها لأنّي سكنت في ذات الشقّة التي كان يسكنها أو يزورها بين الحين والآخر (نسيت)، وكنت متحمسًا لأرى رّدة فعله وهو يعود لجامعته ومدينتها والشقّة التي أحبّها ولم تتغير كثيرًا منذ غادرها كما يقول. 

    وبعد أن تجولنا به في الشقّة، وانتهينا إلى المجلس لتقديم القهوة والشاي، أخذنا الحديث بعيدًا بعض الوقت، ثم أعدته إلى حديث الذكريات وسألته عن رأيه بهذه العودة بعد غياب ففاجأني بقوله: «الحقيقة أنني صُدمت بنفسي، فهذه الشقّة كلما تذكرتها في بعدي عنها أحسست بالحنين، وكذا شعوري نحو هذه المدينة، لكنّي وجدتني وكأنّي أطأ هذا المكان لأوّل مرة في حياتي، تغيرت علي بعض التفاصيل، فلم أحسّ بأي شعور نحوها، ولا نحو الشقة، ولا المدينة.. وهذا أمرٌ عجيب، فقد توقعت العكس» قال هذا الكلام والدهشة بادية بوضوح على محيّاه.

    ثم استمروا في أحاديثهم بينما علِقْت في شعور صادم وغير مريح من ردّة فعله، لإحساسي بأن الأماكن والذكريات لا تستحق ردّة الفعل هذه، لكن ما زاد حيرتي هو أنه لم يبد مرتاحًا كذلك لهذا الجفاء، كما أنني استغربت هذا التأثر الكبير بذاك التغيّر الصغير في تفاصيل الأمكنة.

    ومرّت الأيام، واتضح أنني لم أعْلَق في ذلك الشعور فقط، لكنّي علقتُ في الجامعة قرابة الثمان سنوات، سبع منها قضيتها في شقّة واحدة، حصل لي في تلك السنوات كلّ ما يخطر على البال من تجارب ومغامرات وعلاقات وغرائب.. وكل شيء، لو أنني دخلت الدنيا في أول عام من هذه السنوات السبع ثم غادرتها بعد نهايتها لظننت أنني قد أحطت بمقدار استطاعتي وطاقتي فيها علمًا ودراية وتجربة، وما إن انتهت تلك المرحلة، ومنذ اللحظة التي ودعتها بدموعي وابتساماتي، وأنا أتخيّل موعد عودتي إليها بعد سنة ربما أو سنتين أو ثلاثة، وكيف أنني سأعاني من شدة شوقي إليها، وإلى بريدة، وإلى الجامعة، وأتخيّل عظمة اللقاء بعد الغيبة، وأرسم سيناريوهات مؤثرة لذلك في مخيلتي.

    وبعد ثلاثة أعوام عدت إلى مدينة بريدة يسابقني حنيني إليها، لكني صدمت حين دخلتها بتحولها لمجمّعٍ تسوّقي عملاق تتوزع فيه المتاجر بطريقة غريبة، ففي جوار مجمّع الشقق الذي كنت أسكنه جنوب المدينة أرض مظلمة واسعة جعلها أصحاب الشاحنات مأوى لهم من السفر، وبعد عودتي وجدت تلك الأرض الهادئة تحتضن ستة مستودعات للتسوّق، ووجدتني حيثما وليت وجهي في أطراف المدينة أو في وسطها مارًا بمجمّع تسوقي، يجاوره مركز للتسوق ومحاطًا بمحلات لا ترى آخرها، غير مئات المطاعم والبوفيهات والمعجنات التي تصادفها في كل مكان.

    إن كان صاحبنا قد تأثّرت مشاعره وجفّت سيولتها لتغيّر طفيف في تفاصيل المدينة أو الشقّة (شارعٌ جديد، ترميم لمبنى قديم.. إلخ، تغير أماكن الفرش في الشقة)، فإنّ مشاعري قد انقلبت 180 درجة من الحنين إلى الجفوة، ومن الإقبال إلى الوحشة، فصرت كمراهقٍ مبتعثٍ تكاد تقفز روحه أمامه حماسًا للسفر إلى أمريكا أو اليابان، وحين يصل لا يجد أمامه في أيامه الأولى إلا الاكتئاب والغربة. 

    ضاقت أنفاسي في تلك البلدة، فلا أدري أفقدت ذاكرتي ونشفت أحاسيسي، أمّ أنّ المكان قد فقد الهدوء والبساطة والسمت الذي عرفته به.

*               *               *

    لتمرّ الأيام، وأجد هذا النضوب في نفسي كلما خرجت من منزلي في حيّ المحمديّة بمدينة رفحاء.. اليوم، فقبل عشرين سنة من الآن كنت أقف على عتبة الباب في صغري فأرى أنوار الشارع الدولي الذي يبعد قرابة الكيلو فقط عن منزلنا (ويُعرف عندنا بمسمى الشارع الأصفر)، ونرى سطوح الشاحنات العابرة وننام على أنغام مناطحتها للهواء، وإذا أملت رأسي قليلًا لليسار رأيت من مكاني جدران شركة الكهرباء البعيدة وأبصرت أنابيبها الطاردة لدخان مكائنها المزعجة أحيانًا، وكنّا نتخيّر أماكن لعب الكرة كما نشاء، فحينًا نلعب على رأس الرابية شرق المنزل، وحينًا نغيّر المكان إلى الأرض المنخفضة شماله، وفي بعض الأوقات نتسابق بدراجاتنا في الخطوط غير المعبدة ولم ندرك أنّنا لو سلكنا هذا الطريق المتعرج الحرّ بعد 20 سنة فإننا سنرتطم بجدارٍ لا يبعد عن خطّ البداية إلا بضعة أمتار، ولن نستطيع الاستمرار مطلقًا لأن أولئك الصبية وذلك الخط كانوا يسيرون على مخططٍ مزدحمٍ لثلاث حارات.. في المستقبل.

    كانوا يقولون أن هذا هو حيّ المحمدية، وكنا لا ندري أين أطرافه، ليس من السهل معرفتها والبيوت متفرقة عن بعضها كحجارة سوداء صغيرة ألقيتها في أرض فلاة.. بلا ترتيب أو تنسيق.

    ونعم.. كنت من أولئك المحظوظين الذين استعاروا الملح من الجيران، وأعار المواعين لولدهم الواقف أمام بابنا وقد أرسلته أمّه، وكنت من أولئك السعداء الذين أوصلوا العشاء لأمّ فلان التي لم تستطع حضور وليمتنا، وكنت من أولئك المسرورين الذين يأخذهم جدّهم معه مشيًا على الأقدام للتجوّل بين بيوت الحارة ودعوة الآباء أو توصية النساء الواقفات خلف الأبواب بحضور وليمة الليلة. 

    حتى أحلامنا في المنام كانت واسعة الأرجاء فسيحة المكان، كنت أحلم عن أحداثٍ في حارتنا أرى فيها مختلف التضاريس، وكان من الممكن أن أرى شخصيات المنام تقدم من بعيد، وحتى ذلك البعيد كان رحبًا ممتدًا.. . 

    ثم أخذت الجدران تزدحم حولنا خلال عقد من الزمان، واعتادت عضلات أعيننا وأبصارها على الإحجام، واكتمل ازدحام الحي بالبيوت بتمام ذلك العقد، لكن لم يزل حيًا سكنيًا على أية حال، فالصف الأوّل من مسجدنا يحتضن الأجداد، وأطرافه محجوزة للآباء، وبقيّة الصفوف للمؤتمِر من الأطفال والمطيع من المراهقين والشباب، وإن صلى معنا غريب، عرفنا أنه كذلك. وفي الزاوية الغير مكتملة تقبع بقالة الحارة، وعبدالمجيد.. عاملها المحبوب والمعروف، إن دخل البقالة غريب آخر، اكتشفنا غربته أيضًا، ومجلسنا وديوانيات الجيران مفتوحة في أوقات مختلفة للحديث والمسامرة وربما الإفطار أحيانًا في الصباح، وأكل الفواكه في بقيّة الأوقات. 

    في أحضان هذه الحميمية؛ لم نهتم لخسارة إطلالتنا اليسيرة نحو أنوار (الشارع الأصفر)، ولم نفتقد أنابيب شركة الكهرباء كثيرًا، وحسنًا.. ربما اشتقنا لتلك الجولة الحرّة على الدراجات، لكن ما بقي فيه الخير والبركة، وكنا في بيوتنا نلتهي في الألعاب الجماعية، وحتى الإلكترونية منها.. كانت لذتها في اجتماعنا حولها. 

    وكبرامج الكاميرا الخفية، انطلى علينا مقلب الحياة، فأفقنا على اختفاء الأجداد من الصفّ الأوّل، وزالت معهم أحاديثهم وقصصهم، وغابت الكثير من مصطلحاتهم، وتوارت الحكمة، فلم نعد نجد في المجالس من يحكي لنتأمل، وبدت المجالس ألصق بأحاديث الدنيا وديكورات العصر الحديث، عكس أحاديث الأجداد التي كانت تحكي عن عالمٍ غير عالمنا وبيئة غير بيئتنا، كانت أحاديثهم كنزهة للصحراء نشهد فيها الجِمال والخيام وبيوت الشعر ورحلات الشتاء والصيف، وشيئًا فشيئًا بدأت السوالف تقترب من أزماننا، لنرى في خلفياتها الشوارع ومحطات البنزين وعقود الشركات.. وحكايا العسكرية، وصارت الأحاديث تُنقل بمصطلحاتنا المادية.. والرخيصة، وكان من المحزن جدًا أن يزامن ذلك إحساسنا بأهميّة ما كانوا يقولون، ووعينا بنبلهم الذي أعمتنا عنه غفلة الطفولة وغرور المراهقة وجفاء الشباب. 

    ثم بدا أن كثيرًا من الجيران كانوا جزءًا من فريق الكاميرا الخفية التي أنتجته الحياة بدعم من البلديّة!، فَخوت بيوتهم منهم، فلا ندري، هل استغرق الأمر أسابيعًا وأشهرًا أم أننا كنا نبيت في ليلتنا ومنازل الجيران موجودة في مكانها ونصبح من الغد لنجدها قد استحالت محلّات تجارية تعلوها شقق مفروشة؟! 

    حلّت العمالة من شتى الجنسيات مكان الأجداد وكثير من الآباء في المسجد، لم يعد هذا (مسجد الحارة)؛ بل مسجد السوق، ولم نعد نكتشف الأغراب، فكلّ يوم نرى أغرابًا، كان يفترض أننا في حيّ سكني، فإذا نحن في سوق فيه بضع بيوت، نحن متطفلون في (حيّ العمال) الجديد، وقد صارت ثلاث أرباع المدينة.. حيًّا عماليا. 

    وللأسف.. انحصرت غالب أحلامنا وكوابيسنا في المنام داخل نطاق (الديوانية) و(المقلط).. و(حوش) البيت، وربما السطح أحيانًا.

      وصرنا ندرك  البساطة التي فقدناها كلما تنزهنا في الصحراء، ورأينا أن استجابة نفوسنا للطبيعة صارت أعمق، كأنه احتجاج في اشتياق، وكذا حين زرنا بعض القرى التي لم تتلوث، وإن كانت في الآونة الأخيرة قد صار بعضها نماذج مصغرة لتلك النماذج الوسطى والكبيرة من خليط الإسمنت والإسفلت والعشب الميت المصبوغ، وأدرك أن أُنس الأراضي العشوائية الفارغة التي كانت تحيط بنا وتتخلل حوارينا، أعظم بكثير من هذه المتنزهات المدروسة والمصممة والمزخرفة.. كفسحةٍ جمالية في آلة صمّاء وكألوان صناعية تمر بها خطوط إنتاج.

    ألتفت حولي هذه الأيام فإذا مبنيان جديدان تلمع صبغتهما.. للشقق المفروشة، وفي الجهة المقابلة أجد مبنى في لحظات بنائه الأخيرة، يستعدّ لاستضافة المزيد من الأغراب الذين اغتربنا بينهم، وما بين غمضة عين وانتباهتها استقرت عشر عوائل بأطفالها وسياراتها حولنا، وفي نطاق 200 متر أُحِطنا بأكثر من 100 محلّ وبأكثر من عشر مبان للشقق السكنية.. خلال عقدٍ واحدٍ فقط. 

    الأمر جليّ الآن، لم تعد هذه حارتنا مطلقًا، وقد غيضت أبصارنا لهول ما رأينا من هذا التغيير العجيب والسريع. 

*               *               * 

    تذكرت وأنا أتأمل في هذا الموضوع الفترة الماضية مقالات قرأتها قديمًا عما يطلق عليه (المدن البطيئة)، وهي مدنٌ تقع في كبرى دول العالم (اختار) أهلها ألا تبتلعهم هذه المظاهر المادية، فصار بطؤ نمو مدينتهم نحو الشكل التجاري المعاصر مزيّة تدعمها أنظمتهم وسكان تلك المدن ولا يملك تاجر أو موظف بلدية أن يغيّر من ذلك شيئًا، فقد استوعبوا أن انتفاع أهالي المدينة تجاريًا ووظيفيًا لا يعني مطلقًا هذه الفوضى التي نعانيها اليوم، فصار المنزل العائلي يتحوّل بين ليلة وضحاها إلى محلات تجارية في الأسفل وسكنٍ للعمّال في الأعلى دون أدنى اعتبار لبقية سكان هذا الحي، ولا لمخططاته القديمة.. المهملة.

    لو طالعت مخطط المدينة من الأعلى لرأيت وحشًا تجاريًا يلاحق سكانها من حيٍّ إلى حي، ومن عقدٍ إلى عقد، ولأبصرت كيف أن الأهالي قد تفرقوا في الأحياء الجديدة هاربين من أمرٍ سيصلهم حتمًا -إذا استمر الأمر على هذه الحال- خلال عقدٍ قادم فقط، كنت أمازح أحد الأصدقاء من سكان الجيل الثالث من حواري المدينة بأن حيّهم قد تحول إلى سكنٍ لشركة بن لادن لكثرة العمالة التي تحيط بهم، وكان ملّاك تلك الشقق قد أسكتوهم في البداية بتطمينات أنهم لن يسكنوا إلا العوائل، لتطأ الأيام على جذوة رهبة الجديد فيعتاد صاحبي والبقية الباقية من أهالي حيّه على وجود أولئك العمّال العزّاب بين عوائلهم وأطفالهم، البلادة مريحة للكسالى، وقناعة صاحب الحقّ كنزٌ لسارقه!.

    ومن الطرافة بل المضحك أن أشعر بالحنين اليوم كلما دخلت سوق رفحاء القديم، والذي كنت أعتبره يومًا رمزًا للمادية المعاصرة والهوس الاستهلاكي ومكانًا أتجنبه هربًا من توتّر المدنيّة(!)؛ ربما لوجود شعار شركة سوني في زاوية السوق الجنوبية!

    لفلسفة (المدينة البطيئة) التي التزمَت بها الكثير من المدن اليوم شروطًا وأركانًا منها: ألا يتجاوز السكان الخمسين ألف نسمة، ومنع مطاعم الوجبات السريعة والاكتفاء بمطاعم الوجبات المحلية، وكذلك منع مراكز التسوق الكبرى.

    وطبعًا.. بعد مجزرة الذكريات التي صارت في مدينتي رفحاء (وأهمها هدم مباني محطات التابلاين وتسويته بالأرض قبل سنوات دون أدنى اعتبار لارتباطها بتاريخ المنطقة وجغرافيتها ووجدان أهاليها!)، وفي بريدة كذلك، واستحالة طلب تطبيق هذه الشروط من الأساس (إلا إذا أهلكنا أربعين ألف نسمة من سكان مدينتي!)؛ لا نطمع بعد الآن من المعنيين بالأمر إلا أن يحترموا خصوصية الأماكن السكنية، ويقدّروا أن آباءنا وأجدادنا سكنوا هذه الأحياء على أساس أنها أحياء سكنية لا مجمعات ومراكز، وتوزيع الأسواق توزيعًا معقولًا وعادلًا لا يضايقنا في أحيائنا السكنية كما هو الحال الآن.

    قد فاتنا اليوم إدراك (المدينة البطيئة)، وقد زاد عدد السكان، ورفع ماكدونالدز رايته بيننا، فلا يفوتنا أن نساهم في بروز فلسفة جديدة عنوانها: (الحيّ الحلزوني)؛ فتُمنع المحلات التجارية منعًا باتًا داخل الحارة، إلا البقالات فقط، وتمنع مجمعات الشقق كذلك، ولا بأس أن تحيط هذه الأمور بالحي على ألا تتجه مداخله ومخارجه إلى جهته؛ بل نحو الشوارع الرئيسية المحيطة. 

    نحن لا نطالب اليوم بالمدينة البطيئة؛ بل بالأحياء البطيئةّ وكثّر الله خيركم.

    وإلا فإنني أخشى أن تضيق بنا المساحات يومًا فتكون أقصى مطالبنا: البيوت البطيئة، وربما الغرفة البطيئة!! فتضيق على أبصارنا، وأحلامنا، وخيالاتنا.. ونفوسنا.

    ألا فليرحم الله دين العجائز، وزمان العجائز، وقرى العجائز.. وخيالهن.

.

   أن يقتلَ الرجل ابن عمّه أو صديقه في جريمةٍ جنائية، سيُقال: نزغ الشيطان بينهما، ونفخ في مشاعر القاتل، وركب غضبه، ثم يردد العقلاء: رحم الله الميت وأعان أهاليهما، وانتهى طرف القضيّة في الدنيا.

   أما أن يفتك المسلمُ بخاله أو ابن عمّه أو ابن خالته أو والدته أو صديقه عن قناعةٍ وترصّد، بناء على ما اتفق في باله من نظرات وآراء هي أوهن من بيت العنكبوت لو باتت في بصيرة غيره، ثم يطاوع قلبُهُ عقلَه، وينبض لفعلته عِرقه؛ فهذه والله من عجائب الزمان ومستجدّات الأمور، لكنها لم تفت على من لا ينطق عن الهوى، القائل: «تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها»، ومن قال عنه أصحابه: توفي النبي ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا وعندنا منه خبر. وقد كان يقول اليهود لبعض الصحابة: علّمكم نبيّكم كل شيء حتى أمر قضاء الحاجة؟!!!

   لنعد معًا إلى بدايات القرن العشرين في إحدى المدن الأمريكية، حيث حصلت مشادة بين إحدى الأديبات وبين شابٍ يعمل في ورشة لصيانة المركبات، فنفضت يدها منه ثم اشتكته لمالك الورشة الذي أوجز الأمرَ عليها وفاجأها بتبريرٍ طريفٍ غادَرَ به الورشةَ وجال بين البلاد والعباد، فذكر فيه أنه يعتبر هذا الشاب من (الجيل الضائع) الذين تتراوح أعمارهم بين الخامسة والعشرين إلى الثلاثينات ومروا خلال سنوات نضجهم ونموّهم بالحرب العالمية الأولى!!. والمعنى: ألا يُحمّل هذا الشاب من المسؤوليات والتقريع أكثر مما يرجى منه ومن جيله، فهو قد أتلف العمل لأنّه -ببساطة- من الجيل الضائع!!

   لتلتقط الأديبة هذا المصطلح (الجيل الضائع) وتشتهر بعد ذلك ضمن دراسات وروايات وكتابات لعلّ أشهرها رواية (ثم تشرق الشمس) لأرنست همجواي، وتستمر دراسات الأجيال بالظهور واكتشاف الخصائص والسمات على هذا النهج السالك منذ جيل ما بين الحربين بداية القرن العشرين، مرورًا بالجيل الضائع بعد الحرب العالمية الأولى، ثم الجيل العظيم (الصامت) قبل الحرب العالمية الثانية، ثم جيل جونز بعد الحرب العالمية الثانية، ثم جيل النرجسية (الأنا) بين الأربعينات والستينات، ثم (الجيل X) أو الجيل العاشر من الستينات وحتى الثمانينات.. وصولًا إلى جيلي، موضوع هذا المقال: (جيل الألفية) أو (الجيل Y) منذ مواليد الثمانينات الميلادية وحتى وقتٍ مبكر من الألفية (2000s)، جيل ما قبل 2005م.

   فهل نوجز الرأي عن بشاعة ما جرى من أولئك كما اختصره صاحب الورشة؟ فنؤوّل ما اقترفوه لأنّهم من (جيلِ الهباء) فلا غرابة مما صنعوه؛ لأنهم من جيلٍ ولد ونما وبدأ ينضج في سياق الوسائل الإلكترونية الحديثة معايشًا لتدرّجها، بدءًا من انتشار الكمبيوتر بأنواعه ومرورًا بظهور الانترنت ومواقعه ومنتدياته، وحتى تنامي سوق الهواتف المحمولة مع إطلالة أجيالها الذكية.. فتطوّر كل ما مضى حتى تيسر به التواصل وسرعة البلوغ إلى المعلومة.

   الجيل الذي جاء بعد الطفرة، وميّز بعضه الحياة على أعتاب حرب الخليج الثانية (وآخرون ميزوها على أعتاب سبتمبر وحرب الخليج الثالثة)، ثم التهى بشيء من بهرجة التسعينات وقوالبها مع بُعدِ ضجيجِ الحروب للشيشان والبوسنة عن أسماعه الطفولية، حتى استهلّ الألفيّة محاطًا بالقنوات الفضائية والانترنت.. والأحداث الجسام.

   هنا سيقول القارئ: لماذا أغفلت مسمّى (جيل الألفيّة) أو (الجيل Y) وأطلقت على هذا الجيل صفة: (جيل الهباء)؟

   حسنًا.. لنتفق على ألا يقع في بالك أنني أجزم بملاءمة هذه الصفة لوصف حال هذا الجيل، وإنما (أخشى) أن تنطبق عليه، ولي على هذا الاحتمال أمارات وشواهد، أرجو خطئي فيها أكثر من صوابي.

صفات جيل الهباء

   عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال:
   حدثنا رسول الله ﷺ فقال: «إن بين يدي الساعة لهرجا».
   قال: قلت يا رسول الله ما الهرج؟
   قال: «القتل».
   فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، إنا نقتل الآن في العام الواحد من المشركين كذا وكذا.
   فقال رسول الله ﷺ: «ليس بقتل المشركين ولكن يقتل بعضكم بعضا حتى يقتل الرجل جاره وابن عمه وذا قرابته».
   فقال بعض القوم: يا رسول الله ومعنا عقولنا ذلك اليوم؟!!!
   قال رسول الله ﷺ: «لا، تُنزَع عقول أكثر ذلك الزمان ويخلف له هباء من الناس لا عقول لهم، يحسب أحدهم أنه على شيء وليس على شيء»(1).

   إذن.. نحن أمام جيلٍ من المسلمين يظهر على أيديهم بلاء عظيم، يكون من نتائجه اختلاطٌ في الأفهام واستباحة الدماء حتى يصل الأمر عند هؤلاء إلى استحلال دماء جيرانهم وأقاربهم، ويظهر في الحديث أنّ السبب في جزمهم أنهم اتكؤوا على (شيء) يبرّر أفعالهم ويزينها لهم من العلم والفهم، لكن ظنهم باطل وحسبتهم خاطئة: «وليس على شيء».

   أما الزمن الذي حُدّد في الحديث بقوله ﷺ: «بين يدي الساعة» فقد بدأ منذ وفاة النبي ﷺ ويمتدّ إلى نهاية الزمان، كما في الحديث: «اعدد ستا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مئة دينار فيظل ساخطا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفا»(2) وهذا الزمن وردت في شأن أحداثهِ الكثير من الأخبار التي يعنينا منها ما يربط ما يحصل في زمنه من (هرجٍ).. بنكباتٍ وصفاتٍ أخرى تتزامن معه وتمنحك تصورًا عن ملامح (جيل الهباء) المخيفة التي تؤدي بهم إلى الإهلاك وفعل الفظائع التي لا تتصور حصولها العقول السويّة، ولذلك كانت الفاجعة بالحوادث الأخيرة لا توصف. 

   ولجيل الهباء مقدّمات تسبق اقترافهم للفظائع التي ذكرها الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام، ولا يُتصوّر أنهم يمسكون برقاب بعضهم ويسفكون الدماء دون مقدّمات أو أسباب، وبالقدر الذي ألتزم فيه بنهج أهل السنةّ في عدم تنزيل أحاديث الفتن على الواقع إلا بضوابط مرجعها أهل العلم والتخصص، فإنّي لا أحدّد في مقالي الهرج بزماننا فقط دون بقية الأزمان، كما أنني أسلك في هذا المقال مسلك إبداء الخشية من وقوعها من باب التنبيه والتحذير لا التنزيل والمطابقة، ثم أنني لن أهتم بالتتبع النسبي للمتصفين بصفات هذا الجيل في أيّامنا، وإنما يكفيني النماذج التي اقترفت ما رأيناه صوتًا وصورة، فمبدأ النار من مستصغر الشرر، وغاية الأمر هنا أن أقابل صفات (جيل الهباء).. بصفات (جيل الألفيّة) أو (الجيل Y) حسب ما استنتجه المتخصصون بدراسات الأجيال وصفاتها.

   وكون هذه الدراسات مرتبطة بالأجيال الغربية (في أمريكا الشمالية بالخصوص) لا يعني انعدام الخصائص والآثار والسمات المشتركة بيننا وبينهم والتي كانت نادرة أو قليلة في الأجيال السابقة، لكنها واضحة جليّة في (جيل الألفية) لتزامن ظهوره مع عمليّة العولمة وتسارعها وبروز آثارها واتساعها.

*           *           *

   يتصف جيل الهباء بصفات مترابطة ذات تأثيرات متشابكة، والهرج واحدٌ من نتائج أصحابها. فمن صفاتهم التي ذكرها نبينا ﷺ:
  • الجهل، ففي أزمان الهرج يُقبض العلم بقبض العلماء في زمن هذا الجيل(3)، وموت العلماء أو ندرتهم أو ذهاب تأثيرهم لاستضعافهم ومحاربتهم ينتج عنه ظهور الجهل بعد صعود فئات يتخذهم الناس رؤوسًا في الإفتاء والتعليم على جهلٍ وضلالة ويلبسونهم من الألقاب والمنح العلمية ما لم يُعطَوا. (4)
  • الاستخفاف بالمسائل الكبرى وتبسيطها، كالدماء.(5)
  • انعدام الصبر، لعجلته وقلة احتماله، فيترنّح واحدهم بين درجة الإيمان ودركات الكفر البواح، فيصبح مؤمنًا ويمسي كافرًا.. والعكس، وقد يصنع ذلك لغرض من أغراض الدنيا وشهواتها كالشهرة والسلطة والمال والجاه والنساء وغير ذلك.(6)
  • التعالم والتفاهة مع الفسق والسفاهة والجرأة والتعالم والثقة بالذات إلى درجة الحديث عن شؤون الأمة على عجزه عن معالي الأمور، مع تكذيبه للصادقين وتصديقهم للكاذبين.(7)
  • الخيانة والغدر: فتفسد في هذا الجيل العهود والأمانات، حتى لا يأمنهم جليسهم.(8)
   ومن علامات زمان الهرج وأيامه وشواهدها الظاهرة في وقتنا:
  • تقارب الأسواق. (9)
  • انتشار الكتابة ووسائلها خصوصًا في علوم الدنيا.(10)
  • فشو التجارة.(11)
  • ظهور الربا والزنا والخمر. (12)
   ومما مضى.. إن تأملت سماتهم، وعاينت ملامح زمانهم؛ ففي وسعك أن تلمح خطوات الشيطان أسفل مواطئهم، وتتقصى فتنتهم من مستصغر شررهم إلى اشتعاله، وتبصُر بآثار هذا كله على نفوسهم وأخلاقهم وفكرهم وخططهم.

   فإذا تتبعت السمات التي استنتجها وأبرزها دارسوا الأجيال لما أطلقوا عليهم مسمى (جيل الألفية) أو (الجيل Y)، ستجدها تدور وتتوقف على النعوت التالية(13):
  • اختصاره للثقافة طلبًا وإنتاجًا، ما يعني: استعجاله، وجرأته على التصدر مبكرًا، وجهله، وربوضه عن معالي العلوم والمعرفة. 
  • لا يحب التعب والانتظار، يتوقع أن يكون كل شيء متوافرا، متى ما أراده وهذه أعم من الصفة الأولى التي تعتبر من آثار هذه الصفة، وتدلّ على السفاهة.
  • ارتفاع سقف التوقعات مقابل قلة الصبر، وعبّروا عنها بعنوان طريف: (وفاة مؤسسة الصبر).
  • يُسر البلوغ للمعلومة متى ما أراد وقربها من المتناول عبر الوسائل الحديثة؛ أدخَلَه في (وهم المعرفة)، وهذا يؤدي لتلبّس الفرد بما لم يعط، ولا يظهر أمام العلماء والمتخصصين إلا في هيئة (الندّ) لهم، فسقط في أوحال التعالم، و"بالَغ قبل أن يبلُغ".
  • يسعى في كثير من الأحيان إلى تأجيل انتقاله من مرحلة المراهقة للنضج والبلوغ.
  • هذا الجيل بعيد عن المؤسسة الدينية الكلاسيكية، وأقل اهتماما بفهم الأفكار العميقة والتفصيلية وراء الأديان، وهذه أخطر صفاته بالنسبة لنا كمسلمين؛ لأنها تعني قابليته للأفكار السطحية واحتفائه بأصحابها، أما وصفه بـ (قلة اهتمامه بالأفكار العميقة والتفصيلية) فيعني حتما سلاسة انقياد هذا الجيل أمام دعاة الأفكار الدعائية المنتسبة لدينه المتلبسة بهيئته.
  • يبسّط الأمور، وهذا يجعله أقل انتماء للمبادئ الأصيلة، وأكثر انصرافًا للتوافه، وأجرأ على تجاوز الحدود عند إيمانه بمبادئ دعائية مبهرجة.
  • "أريده وأريده الآن" هي عبارة شهيرة باللغة الإنجليزية، وتعبر عن داء العجلة في هذا الجيل الجديد.
  • من الناحية الفكرية، جيل الألفية جيل شديد المثالية، يكره الفساد، ويحب الجودة العالية، ويعشق الأفكار العملية والإنجازات، ويؤمن بالتغيير السريع للمجتمع، ومستعد للتضحية بنفسه من أجل ذلك، وهذه السلوكيات وإن كان ظاهرها يوحي بالإيجابية والتفاؤل، فربطها ببقية الصفات توحي أن سلامتها متصل بطبيعة المعالجة التي سيبذل نفسه من أجلها، وأيّ واقعٍ يسقطها عليه من هذه صفاته؟ فقد يرفع شعاراتها من يفتك بالمسلمين، وقد يرفعها من يصفّ في مسيرة الانهزامية أمام الغرب والوَحشة من الأمة وعلمائها وتراثها.. والحق، وقد كان جيل الهيبيز (الجيل العاشر) يعبّر -بزعمه- عن السلام والحرية والطمأنينة بالمخدرات والعُرِي والسير بلا هدف أو بناء.
   وبمقابلة صفات الجيلين (جيل الألفية) و(جيل الهباء) سترى أنها تلتقي وتتقاطع في عدّة صفات واضحة جليّة، وهي: الجهل، والتعالم، والجرأة، والسذاجة، والاستعجال، والسفاهة، والغلو في التضحية دون تعمّق بدوافعها وحقيقتها، والتلبّس بما لم يُعطَوا.. والقابلية للتجنيد(14) وغير ذلك مما استعرضته أمامكم.

   وإن لم يُذكر في الأحاديث النبويّة الشريفة جذور المشكلة والتفاصيل التي أدت لبروز هذه السمات، فإنّ آثار ونتائج السياق الذي نشأ فيه (جيل الألفية) -حسب الدراسات- يبدو مماثلًا لسيماء (جيل الهباء)، ولذلك إظهار الخشية وإبداء القلق سيبدو منطقيًا حين أرى مراهقًا في (انستقرام) متكئًا أمام الكتب، يصنّف الشيخ الفلاني والمفكّر العلاني ويقيّم النتاج ويوجّه الأجيال وربما يفكّر في تشكيل مدرسته الخاصة، وآخرون لا يحتاج تجنيدهم إلا إلى نشيدٍ حماسيّ وتصويرٍ إبداعي وشخصٍ يُذبح أمامهم ثم يقول الذابح لهم وكأنّه يلقّنهم حروف الهجاء: إنّ هذا مرتد، وأنا مسلمٌ أقيم الحدّ.. فصدّقني، فيصدّقهم، ثم يُقال له: هذه راية كُتب عليها شهادة التوحيد، وهذا يدلّ على سلامتنا.. فصدقنا، فيصدّقهم، ثم أنشودة رائعة يتبعها من يقول: إننا مجموعة نطلق على أنفسنا خلافة، ونلبس العمائم، ونسمي أنفسنا بجنود الخلافة، ونأتي بآيات الجهاد متزامنة مع مظهرنا ونحن نتبختر أمامك ما يعني أنّها تعنينا بلا شك.. فصدّقنا، فيصدّقهم، ولو كان تصديقه للكتاب والسنّة بمثل تصديقه لهم لبلغ مراتب الصدّيقيّة!!.

   وسيبدو منطقيًا أن أقلق وأنا أرى مرحلةً من مراحل (الهباء) تبدو جليّة أمامي، فيظهر التافه السخيف الفاسق المستغرق في الترفيه طول حياته القصيرو يتكلّم في شؤون الأمّة من فلسطين لأفغانستان لمصر لمسلمي الصين ويناطح العظماء والعلماء والمتخصصين جرحًا وسبًا وتصنيفًا، ثم أراه على ذلك يُصدّر من أبناء الجيل في واجهات الإعلام وعلى المنابر.

   لذلك، أعتبر أن أخطر ما نراه من هذا الجيل هو تحول (مشروع التوبة) عند أفراده إلى (مشروع تجنيد)، بسبب حرمانه في حياة ما قبل (التوبة!) من التعرف على حقيقة التدين في مواضعه المعروفة والآمنة والعظيمة: المنزل المعين له على تقوى الله، والمسجد، حلقة تحفيظ القرآن، برامج التوجيه الوعظي والعلمي في المراكز.. عفوا النوادي الصيفية والتوعيات الإسلامية.. وغيرها، بسبب تشويهها ومضايقتها، ليقع من مخالب أدوات الترفيه التي أعمته تمامًا حتى عن واجبات الحياة بل وحتى عن إظهار أبسط ملامح الرجولة والتعقل في وجهه، فيتحول إلى غريب أطوار في فسقه وغريب أطوار في توبته، ويقع في الجهة المقابلة في مخالب الجهات الاستخباراتية التي تجنّد أمثال هؤلاء تحت ستار العودة إلى الدين، والتوبة إلى الله.. كالمستجير من الرمضاء بالنار!

   ولي الحق أن أبدي خشيتي وأنا أرى الفتاة من هذا الجيل ترى السفور ومخالفة كلّ أمرٍ رباني لها قضيّة تستحق التضحية من أجل إقرارها، والتصدّر لأجل ذلك، فتجعل من نفسها رأسًا في قضيتها فتعيد تكرار النماذج البائسة التي نجحت في قضاياها ولم تجلب لبلادها العربية (بعد أن توهّمت أن ما تصنعه إنما هو محطّة في طريق التطور والتقدم) إلا الفتنة من قلة الأمن والفقر وانتشار الفواحش وآثارها حتى هبطت بلادها إلى الدرك الأسفل من الحضارة، فلا وقفت عند أوامر ربها، ولا تقدّمت بمجتمعاتها.

   وآخر يسخر ممن قضوا دقائق عمرهم وحياتهم في تكرار الكتاب والسنّة، مقرّ الهداية، وفصل الخطاب، ومردّ المختلفين، ثم يأتي شاب غرّ سفيه يخلط بين النازعات والمرسلات ويظهر منتفخًا يحمل سلاحهُ ويلوّحُ بألعابهِ القاتلة يُصدّر فعله وقوله ويزبد ويرعد في قضايا الأمّة ودماء المسلمين وغير المسلمين (وهو غير مؤهل للحكم في دماء الحيوانات!)، ويتخيّل (دمية العرائس) أنه يقف مواقف ابن الوليد وصلاح الدين وابن المختار حاشا جنابهم أن يزاملوا سفهاء الأحلام وحمقى العقول.

   ومن المنطق والذوق كذلك أن أحسّ بتأنيب الضمير وشيء من الاعتراف بسلوكيّات جيلنا وممارساته وأنا أطالع في سير العلماء وجهودهم.. وبركة وقتهم، وكيف كان أحدهم يقف على سلّم مكتبته الساعتين والثلاث حاملًا كتابًا واحدًا لتوثيق مسألة أو الإيعاز لدليل واحد، بينما لم يستغرق منّي الأمر دقائق معدودة وعبر أيقونات المكتبة الشاملة في إنشاء هذا الهامش المبهرج أمامكم بالأرقام، وفي وسعي أن أبهرجها أكثر لأنتفخ أمامكم أكثر، وعلى هذه النعم نحمد الله تعالى، ومن آثارها نحذر ونحذّر!

   وبما أنّني (أمون) على أفراد جيلنا لأنني من طبقته الأولى عمرًا؛ فإنّني أدعوهم وأحثّهم على مواجهة الآثار المظلمة لطبيعة الحياة التي نعيشها بالتواضع والمعرفة الحقّة بقَدْر النفس وقُدْرتها مع توقير أهل العلم والتخصص والمعرفة وإدراك درجتك المعرفيّة حقّ الإدراك، فالانتفاخ بذرة الشرور والتعالم شرارة للفتن، وأقلّ هذه الشرور ضياع عمرك في وهم العلم فتحسب أنك على شيء ولست على شيء، وأعظم الفتن ما رأيناه ممن فتك بأقرب الناس إليه وأحسن الناس ظنًا به في مشاهد لا يمكن أن تزايل ضمائر العقلاء ونفوسهم زمنا طويلًا.

___________________________________

(1) سنن ابن ماجة: 3959.
(2) صحيح البخاري: 3176.
(3) صحيح البخاري: 7121.
(4) صحيح البخاري: 100، صحيح مسلم: 2673.
(5) المعجم الكبير للطبراني: 685.
(6) صحيح مسلم: 186.
(7) مسند أحمد: 7912-13298، سنن ابن ماجة: 4036، السلسلة الصحيحة: 1887.
(8) مسند أحمد: 4286، سنن أبي داود: 4258، السلسلة الصحيحة: 3254.
(9) مسند أحمد: 10724، السلسلة الصحيحة: 2772.
(10) مسند أحمد: 3870، الأدب المفرد: 1049، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد: 428، وراجع ذخيرة العقبى في شرح المجتبى: 34/105.
(11) المصدر السابق.
(12) المعجم الأوسط للطبراني: 7695، السلسلة الصحيحة: 2/3415.
(13) ارجع لمقالَي: (لماذا يكره الشباب الجديد التعب والانتظار والقيود؟) و(أريده وأريده الآن) لعمّار بكّار.
(14) من البَدَهيّ أنني لا أعمّم هنا، حتى لو أُطلق الكلام، فحديثي عن ظهورها في البعض خشية أن تكون شرارة لفتنة أو شر، وعن إطلاق الكلام أو (التعميم) يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: «وقول القائل: إن الرافضة تفعل كذا، وكذا المراد به بعض الرافضة، كقوله تعالى: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله﴾، ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم﴾ لم يقل ذلك كل يهودي، بل قاله بعضهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم﴾ المراد به جنس الناس، وإلا فمعلوم أن القائل لهم غير الجامع، وغير المخاطبين المجموع لهم» الفتاوى (1/36-37).