لطالما عُبّر عن المصلحة في الصداقة بمعانٍ تصطحب المال نموذجًا أصليًا شهيرًا وربما وحيدًا للمصلحة، وقد يُذكر الجمال في مرات قليلة كمصلحة أخرى أقل شهرة تدفع لإظهار الاهتمام والصداقة.

   غير أن للمصلحة نماذج خفية، لا يلزم أن تكون بخِسّة النموذج الأصلي (المال) الذي يحصل مع سبق الإصرار والترصد، وإنما تظهر كدوافع غير واضحة للعلاقة، ينتج عنها إساءات كثيرة في الفهم بين أطراف هذه العلاقة، فيدفع طرفًا لظنها صداقة.. بينما الآخر يراها حبلًا رخوًا لا يشدّ شيئًا في نفسه ولا مانع من إلقائه في أيّ وقت.

   الإشكال في سوء الفهم هذا أنه قد يطول، ويُصرف فيه من بعض أطراف العلاقة الطيبين ثمنان عظيمان لا يستحقهما إلا الصديق الصدوق، وهما: الوقت، والود.

*         *         *

   من هذه النماذج الخفيّة التي قد يساء فيها فهم العلاقة، نموذج العلم والمعرفة، ها هنا أمكنة كثيرة ومتنوعة يجتمع فيها الناس، فتتشكل علاقات، وتُبنى صروح من خيالِ، تهوي عند انتهاء هذه المصلحة، فيكتشف من أساء الفهم أنّه كان في (زمالة علم)، ومجرد (ورشة) و(نشاط) استغرقا وقتًا طويلًا، نافعًا بلا شك، غير مدرك أنّ حدوده تقف عند هذه المنفعة المباركة، ليكتشف كذلك أنه حتى العلم على مكانته لا يمكن أن يدفع علاقة الزمالة والاحترام ونحوها لمراتب الصداقة فضلًا عن الخلّة، وإنما عفويّة الأخلاق النبيلة وتآلف الأرواح والبذل وشدّة الاهتمام.. والصدق.

   سوء الفهم هذا يجعلك تأتي بزملاء العلم إلى أوقات الصداقة، وفي الحين الذي تظن أنك تضيف لبنة أخرى لبناء هذا الصرح العظيم (الصداقة)، فالقوم يرون أنهم يقضون وقتًا ممتعًا في فضول وقتهم وفضول اهتماماتهم وفضول مشاعرهم وفضول علاقاتهم.

   الاهتمام المشترك يعزّز الصداقة، وقد يؤدي إليها بداية، لكنه لا يغذي ودّها، وليس أساسًا لها، ولا ضمانًا لاستمرارها وصدقها، ولا دليلًا على وجودها، بل قد يكون نوعًا من المصلحة المحمودة التي لا ينبغي أن تبالغ في حسن الظن بها، فهي مصلحة في نهاية الأمر، لها حدودها الضيقة المرتبطة بحجم الاهتمام ووقته.

   الإدراك المبكر لهذا يضمن لك علاقات صحية تكون مصدرًا لسعادتك وأنسك لا همًا وكدرًا وضياعًا للوقت على مشاعر بائسة لا طائل منها؛ لأنك صنّفت كل علاقة في (ديوانها) الذي تنتمي إليه بحق (كما يعبر ابن الجوزي)، ونقلت هؤلاء إلى (جملة المعارف، وعاملتهم معاملة المعارف، فمن الغلط أن تعاتبهم) [صيد الخاطر].



   للقناعة ملامح تشكلها التجارب الفاشلة وانكشاف أثر المبالغات والأماني، ولا يتبين وجود هذه الملامح إلا إنسان تلقى صفعة ما من حقيقة ما، أو إنسان قرر أن يكون صادقًا مع نفسه، فيتأمل الواقع ويصفه كما هو.

   تخلّق الإنسان بالقناعة والرضا يستعجل بقدوم النفع وظهور الأثر.

   في الحياة، غالبًا ما تكون أدوات التأثير -إذا تأملتها من بعيد- دوائر ضيقة لا ترضي الطموح المنطلق.

   أدخل مواقع التواصل الاجتماعي يوميًا تقريبًا منذ بداياتها العربية، في مواقع التواصل تبدو السيرة الذاتية التي يُريد الناس كتابتها عن أنفسهم أوضح مما كانت عليه في المنتديات والمدوّنات، بين يديك مئات النماذج تحمل همًا وطموحًا.. وتبذل له، وحجم المؤثرين مذهل، وصادم دائمًا، وهو نموذج واضح لخريطة التأثير في الواقع وإن اختلف الأشخاص.

   عبر التاريخ وإلى يومنا هذا كان قَدَر التأثير العظيم يتاح لأعداد قليلة من البشر، الكثير يتنافسون.. والقلة يصلون لتلك المنزلة، لأنّه لا مكان إلا لقلّة، قل إنه حظ، وقل إنها الظروف المواتية، وقل إنه الجهد والبذل، لكن لتعلم أن كثيرًا من المحظوظين، وأصحاب الظروف المفترشة باليسر، وأهل الجهد لم يصلوا، ورحل الكثير منهم وهم لم يصلوا، ولك أن تردد بعدها: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) ففيها من الشفاء والوضوح والإشارة للخطوة التالية بدل ندب الحظ واستفهام المعترضين على الأقدار.

   إذن.. ما الخطوة التالية؟

   الإدراك:

ذهب مجموعة من الفقراء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقالوا يشتكون: (ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم) ثم جاء موضع الشكوى والفارق بينهم في الفضل فقالوا: (ويتصدقون بفضول أموالهم) فواساهم النبي عليه السلام بأن دلّهم على فضل التسبيح والتحميد والتكبير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، غير أنّ الأغنياء ما لبثوا أن عملوا بما واسى به النبي عليه الصلاة والسلام الفقراء، فروي أن الفقراء عادوا مرّة أخرى يشتكون، وكان رده عليه الصلاة والسلام بأن قال: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء).

   وكم من أهل الدثور من أملاك الدنيا؟ فهناك صاحب الدَّثْر من الشهرة، وصاحب الدّثر من السلطة، وصاحب الدثر من التأثير، وتلك أفضال الله يؤتيها من يشاء وحده لا شريك له.

   إن أهل التجارب الطبية والنفسية لا يجربون على كل البشر أو الحيوانات المقرّبة، وإنما على نماذج محدودة (غير فردية) تؤهل التجربة عليها لإصدار أحكام عامة على الجميع، وكذا الأمر في تجارب الإنسان الشخصية والتجارب التي كان شاهدًا عليها أو كان مطلعًا على تفاصيلها بالقراءة ونحوها، التجارب التي يمتلك الإنسان نتائجها هي استبيانات حياته التي يبني عليها قراراته لحاضره.

   والتجربة أثبتت أن هناك، في هذه الحياة، القليل، القليل جدًا مما يليق بطموحات الناس أو بجهودهم، صحيحٌ أنّ لكل مجتهد نصيب، لكن من قال أنّ هذا النصيب العاجل سيكون على قدر هذا الاجتهاد؟

*       *       *

   هنالك العديد من القناعات التي تتشكل بناء على ما سبق، تبدأ من بعض العبارات الكلاسيكية من مثل (كن سعيدًا بما لديك) إلى أوامر يقل الانتباه إليها مع عظم أهميتها من مثل (اعرف حدود تأثيرك) أو (حاسب نفسك).

   فبناء على التجربة، سيعلم الإنسان قَدْره، ويلمح أقداره، وإذن، فمزيد من التجارب بعد هذا العلم وتلك اللمحة.. مضيعة للوقت، فالمعركة بدأت وأنت لا زلت تبحث عن أحدّ السيوف وألمعها وأجملها وأكملها.

   القناعة مساحات عظيمة متاحة لك قد يعميك عنها الطموح والأماني والبحث عن مساحات لن تصل إليها، وتجعلك تزهد بما لديك من الممكن الموجود، مادًّا عينيك إلى الممكن بعيد المنال، أو إلى المستحيل وخيالاته التي لا تحد.

   سيدفعك إدراك هذه المساحات المتاحة إلى أمور في غاية الأهمية، وهي البداية الفعلية للخطوات التالية.

   . الالتفات إلى النفس:

   الإنسان لَبِنة في قاعدة، فساد هذه اللبنة يضعف الأساس، فيصدع البناء، لعلّ هذه الفكرة تبدو (مستهلكة) توجيهًا ودعويًا، لكنها حقيقة لن يعرف الواحد مقدار عظمتها وخطورتها حتى يتأملها عميقًا وبصدق، فلو علم الإنسان مقدار تأثيره ما استهان بمساحته الشخصية، فالكثرة قلّة متراصة، والقلّة أفراد مجتمعون، متى ما أدرك الإنسان أنّ تأثير شخصه وتأثيره على القلة التي حوله هو تأثيرٌ على الكثرة.. وإن احتقر الأمر، فهو في عمق الخطوة التالية.

   رُوِي في أثرٍ يتيم، من الروايات التي إذا قرأتها فررت من هامشها خوفا من فتك المحققين بها ولو كان هذا الفتك حقا، أقول: روي أنه لحق بني إسرائيل قحط على عهد موسى عليه السلام فاجتمع الناس إليه وطلبوا أن يستسقي لهم فلما فعل قال الله له: (فيكم عبد يبارزني منذ أربعين سنة بالمعاصي فناد في الناس حتى يخرج من بين أظهركم فبه منعتكم) ... فقام موسى عليه السلام منادياً وقال: (يا أيها العبد العاصي الذي يبارز الله منذ أربعين سنة! اخرج من بين أظهرنا فبك منعنا المطر) فقام العبد العاصي فنظر ذات اليمين وذات الشمال فلم ير أحداً خرج فعلم أنه المطلوب فقال في نفسه: إن أنا خرجت من بين هذا الخلق افتضحت على رؤوس بني إسرائيل وإن قعدت معهم منعوا لأجلي. فأدخل رأسه في ثيابه نادماً على فعاله وقال: (إلهي وسيدي! عصيتك أربعين سنة وأمهلتني وقد أتيتك طائعاً فاقبلني) فلم يستتم الكلام حتى ارتفعت سحابة بيضاء فأمطرت كأفواه القرب فقال موسى: (إلهي وسيدي! بماذا سقيتنا وما خرج من بين أظهرنا أحد؟) فقال: (يا موسى! سقيتكم بالذي به منعتكم) فقال موسى: (إلهي! أرني هذا العبد الطائع) فقال: (يا موسى! إني لم أفضحه وهو يعصيني أأفضحه وهو يطيعني؟!).

   نكتب ونشارك كتاباتنا منذ المنتديات فالمدونات فمواقع التواصل المتنوعة نملأ الدنيا احتجاجًا على حال هذه الأمة، بهذا الاستحضار الشمولي لها، من حفر الشوارع إلى أنباء المَصَارع، ومن قروض البنوك إلى الأراضي و(الشبوك)، بلا كلل وملل، وكل عام نختطف إلى هذه المعمعة حصيلة لا بأس بها من الأجيال الصاعدة، نسقيهم من همومنا، ونعرّفهم على خلافاتنا.. ولنقل بعد هذا الاستعراض (لا بأس) لكن هناك ما هو أهم بكثير من ذلك مهما أغرى هذا الـ (ذلك) بأضوائه وازدحام الناس حوله، وهو قضية صلاح النفس ودوره المحوري في رفع التخلف عن محيط الإنسان.. ودور هذا المحيط في رفع التخلف عن الدوائر المحيطة.. ودور هذه الدوائر في رفع التخلف عن الأمة بأجمعها، وإني على يقين أن البعض سيصل إلى هذه الفقرة ليقول في نفسه: (آه.. إنه التوجيه المكرر نفسه: أصلح نفسك تدور عجلة المجتمع، ويتجاهل صاحب هذا التوجيه أن تأثير صلاحك وصلاح قلّتك وما وراء هذه القلة مهما اتسع لن يصل لدوائر مغلقة تدير بحق عجلة المجتمع بقراراتها وسلطتها وقدرتها.. إلخ).

   حَسَنٌ!.. إنه هو بعينه، فما رأيك أن نتأمل أثره هذه المرة بعمق وصدق؟ إنّ للتخلف والانحطاط أسبابًا كثيرة بلا شك، ومن يظنّ أن تركيزي على سبب النفس يعني تبرئة المسؤولين عن الأسباب الأخرى.. فهو مخطئ، ولن يمنعني سوء فهم البعض هذا من إزاحة بقية الأسباب لنتأمل ما يتعلق بالنفس التي بين جنبينا، هذا السبب بعينه.. الأمر المكرر نفسه.. الذي تسأم منه النفوس ذاتها التي سنتأملها فيما يلي.

   بداية، عندما نقول أن فساد النفس من أسباب التخلف فعلينا أولًا أن نستحضر مشاهدًا من هذا التخلف المرير: طلقة في رأس طفلٍ سوري، دكتور بشهادة مزورة في مستوصف طبي، فاسدٌ يسرق من أموال الأمّة، سلوكيات بغيضة تستولي على عقول شبابنا، عالمٌ يتحرّى الدنيا بعلمه، قضيّة إسكانٍ لم تحل، حسنًا، سأختصر لك الأمر، إن كل إنسان منا لديه ما يستفزه من مشاهد التخلف، فما أتبلد أمامه من مظاهرها قد يكون يحرقك من الداخل، وما لم تحفل به قد أكون مغتاظًا يومي كله بسببه، فلينتق كل واحد منا ما يستفزه من شأن أمته وبلدته وحيّه وبيئته.

   (سأحلها من جهتي.. على الأقل!)

   هذا ما يجب أن يكون عليه الأمر، و(الأقل) هنا هو حدود الاستطاعة والتأثير في حياتك، وأنتَ أعرف بهذه الحدود، وأعلم بالذي من جهتك.

   لقد قلتُ بأنّ لمواطن التخلّف في أمتنا أو بلدتنا أو حينا أو تصرفات بيئتنا أسبابًا كثيرة، المسؤول عن جزء لا بأس به منها أشخاصٌ بمناصب وجماعات بسلطات ومؤسسات بصلاحيات واسعة أو حتى دول باجتماعات مصيرية، فهم المسؤولون عن القرارات المؤثرة على جموع الأمم لا أمتنا فقط، لا الأفراد، لكنّ يبقى أنَّ طرفًا من الأسباب يعني استطاعتك، ويصنع قيمتك.. وهو أنت، نفسك، والذي يرى أن الملامة تقع فقط على عاتق أصحاب الصلاحيات يحتقر الذوات، ويجعل الناس هملا، ومثله من يرى أن انعدام السلطة من الفرد يجعل مشروعه الوحيد وأثره اليتيم هو مصيره في الآخرة، فليعتزل إذن الدنيا التي لا يملك من سلطاتها شيء وينتظر مصيره في تلك الحياة.

   لا أجد تحقيرًا للذات أعظم من إلقاء جزئنا من المسؤولية على عاتق أولئك الأشخاص وتلك الجماعات والمؤسسات فقط لأن دورهم الحضاري أوضح وأكثر ضجيجًا، فما دورنا في الحياة إذن كأفراد سلكنا فيها طريقًا لا بأس به يجعلنا نعي حدود تأثيرنا وحجمه؟!

   إن مظاهر تقصيرنا الشخصي مرتبط ولو بالتأثير البعيد على مظاهر تخلفنا العام، هذه حقيقة تصرخ بها حقائق الكتاب والسنة.. والعقل، نومنا عن الصلوات، إهمال واجبات الأمانة، إفلات الحواس على المحرمات وعن الفضائل دون مجاهدة وتصبّر، تقصيرنا الدائم مع والدينا.. وغير ذلك كثير مما يعلمه الإنسان من نفسه.

   إننا مدينون بالاعتذار إلى أمتنا، وتاريخنا القادم، والأجيال من بعدنا على مشاركتنا -ببعض شؤوننا- في تراكمات التخلف، ومدينون بالاعتذار إلى دوائر التأثير من حولنا على قدوة سيئة جسدتها بعض طباعنا، وهزائمنا أمام الكسل والفتور واللذائذ، ومدينون بالاعتذار عن لحظاتٍ تتساقط من أيامنا كانت ستكون أفضل دائمًا بشيء من التصبر والمجاهدة.. والدعاء، ومدينون بالاعتذار إلى تضخيم الرجاء مع ضآلة المؤهلات، ومدينون بالاعتذار إلى واجبات الحقائق الملحّة على مصائد الأوهام والأماني التي ألهت قدراتنا عن الممكن المؤثّر.. وجعلتها تبحث في المستحيلات.

   وخير الاعتذار عملٌ صالحٌ ينقض سببه: (إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم)، وأعظم الفرص التي تواجه الإنسان في حياته هي أنفاسه القادمة، والتي تمنحه المزيد من العمر والحياة، والعمل الصالح يجمع شكر هذه المنحة وإصلاح ما فسد في الماضي، والقناعة بما تملك يدلك على الخطوة التالية للعمل دون مضيعة للوقت.

   نسأل الله أن نكون لبنة صلبة في أمتنا، وبذرةَ نهوضٍ لها، وأن يغفر لنا جناياتنا على نفوسنا.. وعليها.
الطالب،مصطفى
   تسلك بسيارتك (الفورد) طريقك في سرعة معتدلة، في أمان الله، وفي أمان من الناس، فتتفاجأ بسيارةٍ تظهر من العدم، ينعطف صاحبها بها نحوك عن سبقٍ وإصرارٍ حتى يكاد يصطدم بجانب سيارتك التي تهتزّ من اضطراب الهواء بسبب قربه وسرعته، وحين تستوعب ما يجري وتفيق، تراه أمامك يضيء إشارات التوجيه يمنة ويسرة، في رموز تفهم منها أنه يقول لك متحديًا (تمكنت منك، فمت بغيظك!) ليركب الشيطان معك، ومعه عائلته وأصحابه وقبيلته، ويشيرون بحماس نحوه لتلحقه.. فتغفل عن التعوّذ، وتطيعهم، وحين يضطرّ للوقوف عند أقرب إشارة مزدحمة، تنتهزها فرصةً كي تقترب منه حتى تصير جواره ثم ترغمه على الاستجابة لزجرك واستفهاماتك اللجوجة، فيجيبك كاسد العقل وقد جمع بلادة الدنيا في نبرة صوته: (أنتم يا أصحاب الفوردات ما تشوفون أحد!!).

   فتنسى الموقف، وتغفل عن الرجل؛ لتضحك طويلًا، فتغادر الشياطين مركبتك مغتاظة متأففة، ويضطر الرجل للافتراق عنك بسبب منبهات الإشارة الخضراء، وعيناه تلاحقانك بنظراتهما المدهوشة من هذا الضحك المستفز، وقد اغتاظ فيما يبدو، وركبت تلك الشياطين معه.. تشير إليك هذه المرّة!.

   بعض الإجابات تحمل سيرة صاحبها، وتعتاض بها عن الأسفار، لأنها تختصر لك الإسفار عن أخلاقه.

   يتداول الناس نكتًا وطرائفًا حديثة الظهور عن قائدي سيارات (الفورد)، وهي طريفة بلا شك، وتدفعك للضحك دائمًا، لكنّها لا تقع في بعض النفوس هذا الموقف المعتدل.. العاقل، وهو الضحك، والاستمرار في الحياة.

   بعض السفهاء يحمل نفثات المجتمع المضحكة والتي تصل إليه كطُرفة شعبية.. محمل الجد، فيتأثر بها أشدّ ما يكون التأثير، فتغيّر في طباعه وقراراته وتعامله، فمجاله الفارغ تملؤه التفاهات بسهولة.

   وبصفتي قائدًا لسيارة الـ "فورد" بدأت أحسّ بعنصرية وعداء يبدوان من بعض الحمقى والمغفلين الذين تساقطت أوراقهم من صفحات ابن الجوزي، فأجد نفسي في سباق وتحديات لم أختر الاشتراك فيها، وأتعرض لنظرات لم أعهدها قبل انتشار هذه الطرائف، ربما يبالغ القلم هنا، لكن المبالغة تكثير انفعالي لما استجدّ في الواقع بحق.

   إن النكتة والسخرية كافيتان عند بعض العقول لإعطاء أحكام عامة، وتصّور وجود مجموعات وتكتلات، فيمتلئ مجال هؤلاء بتصورات وآراء تصنع ردود فعلٍ معينة، لا تبشّر بالخير غالبًا، فحين كنتَ تضحك أيها العاقل من طرائف (أصحاب الفوردات) كان البعض تحمرّ عينه ويخلق في مخيلته وجودًا واقعيًا لهم يصح أن يقال فيه لواحدٍ منهم: (أنتم-أولئك-هؤلاء-أصحاب) فينسبه إلى ما/من يستحق الكراهية والحقد والإيقاف عند الحد، وحين كان يتوقف تأثير النكتة عندك على آخر أنفاس الضحك، كانت تدور في نفوسهم زوابع ستهب أعاصيرها حال ملاقاتهم من يستحق لعبة العداء، وهم هنا (أصحاب الفوردات) الذين (ما يشوفون أحد)، أي أنهم مغرورون متكبرون لا يرون الخلق لفرط احتقارهم لهم، فانظر يا رعاك الله كيف تنتقل الصفات أيضًا عبر تلك الطرائف.

   يتكرر هذا الأمر في تفاعل أمثال هؤلاء مع النكت التي تسخر من الزواج والطالب المتفوق والمجتهد وعاشق الكتب، طالب العلم والثقافة، والبدوي.. وأخلاق المجتمع، والمشاهير، وغير ذلك كثير، دائمًا ما تجد في استقبال الناس لهذه التعليقات فئة تنطلي عليها هذه السخرية بنجاحٍ عجيب، وتؤثّر فيهم سريعًا، فلا تستغرب -مثلًا- ممن يتأثر قراره في الزواج، لدوافعٍ سبّب تخلّقها في دواخله أمورٌ منها هذه السخرية التي سرعان ما تتأثر بها هذه العقول فتصدّق وتدهش وتشمئز ثم تبني على ذلك كله، فالزواج في تلك الطرائف مقزز ورتيب، خال من الحب، يحوّلك وزوجتك وأنتما في عزّ الشباب إلى مسنّين مملين يكرهان الحياة ولا يبصران الجمال، كما أنّ الزوجة لا تفهم الرومنسية، ولو حاولت أن ترتديها فشلت وصارت محاولتها باعثة على الشفقة والسخرية، والطالب المجتهد بغيضٌ ثقيلٌ يسبح ضد تيار الحيوية والانتعاش.

   وقد هالني حين قرأت تعليقات في إحدى مواقع التواصل، يتمنى فيها أصحابها الهلاك والأذى لأحد المشاهير بعد أن تعرّض لحادثة مجاهرة، مع أنه لم يبدر منه، حتى في زلاته وسخرياته، ما يستحق ما هو أدنى من محاولة الفتك به وبأهله.

   إن العاقل حين يقرأ عبارة (لا تجعلوا من الحمقى مشاهير) يميّز الأحمق أولًا ثمّ يلتزم بالحق الوارد في العبارة بالتي هي أحسن، وبالتجاهل، أما السفيه فيقرأ العبارة ثم يظنّ أنها تعني أن كلّ المشاهير حمقى، وأن عدم جعلهم مشاهير يعني ذلك التجاوز ضدهم إلى درجة الجناية والظلم.

   هذه العقول (التي تنجح تلك الطرائف في تغيير نفوس أصحابها والتأثير في آرائهم.. دائمًا!) هي التي يراهن مالكو أدوات التغيير الإعلامي في التحكم بها وتوجيهها بناء على مجهود قليل التكاليف كثير التأثير كمجرد عنوان رئيسي في صحيفة إلكترونية، أو كاريكاتير، أو "هاشتاق" أو حلقة تلفزيونية كوميدية، أو وثائقي يستغل شعار الجهاد، وإذا كان كافيًا أن يُملأ مجال هؤلاء بالحقد على (أصحاب الفوردات) لمجرد نكتة متداولة حديثًا، فما بالك بما هو أشدّ جاذبية وأكثر حيوية وأدقّ توجيها؟!

   حتى البرامج اليوتيوبية لم تعد تجتهد كما تصنع القنوات في أساليب الدعاية، كان كافيًا لهم أثناء حديثهم لك أن يخرجوا علبة المنتج أمامهم، مع افتعال ملامح وابتسامات تقول لك: نعم، أنا أصنعها دعاية مباشرة، وأنت تعلم بأنها تخاطب وعيك ولا وعيك وبصرك وكل حاسة منتبهة لديك، كما يعلم المشاهد عن حيل لاعب الخفّة أمامه، فكيف ولاعب الخفة يخبرك بأسرار ما يقوم به بكل وقاحة، ومع كل هذا العلم فإنني أتوقع أنك ستتأثر بها، وستشتريها، وسأستلم أموالي.

   إنها الفئة المضمونة للتأثير والاستهلاك والتخويف والتحريك، الألعوبة المكوّرة التي يركلها السياسي والتاجر والفنان.. ورئيس النادي.

   على أيّة حال، سأستغل ختام مقالي لأوجّه تحذيرًا جادًا للرفقاء من (أصحاب الفوردات) بأن يتنبهوا، فقد كثر السفهاء، والانفعالات السيئة تنتقل بينهم بسرعة انتقال العدوى، وصار الناس يؤتونهم أموالهم، وطرائفهم.. ومفاتيح سياراتهم!

مقال متصل:
[ أرسطو الدرباوي ! ]



   تصدر في هذه الأيام مع انطلاق معرض الكتاب 1438هـ - 2017م في مدينة الرياض ما يتعارف على أن يسمى (باكورة الأعمال) أي: أولها، ولا أدري عن امتداد العمر، أو ارتفاع الهمّة، أو وجود القدرة، في إتباع هذا الأول بثانٍ أو ثالث.. الله وحده يعلم وهو الموفق والمعين.

   رواية رهاب كتبتها قصّة قصيرة جدًا عن معاناة الشاب إياس، ثم نشرتها في هذه المدوّنة قبل قرابة السنتين، وسبب كتابتي لها هو سلامٌ عابرٌ حصل أمامي ولفت نظري كثيرًا بين مراهقٍ ورجل أربعيني في محلّ داخل السوق القديم في مدينتي وغاليتي (رفحاء).

   كانت تفاصيل ذلك السلام الملفتة تخلق موقفًا من المواقف التي يعرفها الكتاب جيدًا إذ يسابقك طيفها نحو حاسوبك لتنطلق بالتعبير عنها بسرعةٍ لا تحتمل التأني في رصف الكلام وتنوّق كرائم اللفظ، فأصابعك تتزاحم وتكاد تتعارك في لوحة المفاتيح، والأفكار تفيض وتندفع حتى تختلط روافدها.

   وبعد نشرها هاتفني الصديق الأثير مشعل الحربي (أديبٌ وإن تخفّى وناقدٌ وإن أخافني!) مثنيًا ومشجعًا وملاحظًا كعادته الطيبة والصادقة، وقال لسبب واضح لديه: لديك المزيد عن هذا الموضوع كما يبدو، فلماذا لا تكون هذه القصّة رواية أو مجموعة قصصية؟

   يرجع اهتمامي بموضوع الرهاب الاجتماعي وتصوري لآثاره وأعراضه لأسباب متراكمة، أذكر هنا ما يصحّ نشره:

   أما السبب الأول، فهو هواية غريبة في وقتها، استهوتني في صيف 1427هـ/2006م، واستمرت سنوات قليلة، ثم انقطعت عنها مللًا من التكرار، قبل أن أهتم بكتابة رواية عنها، وهي إدمان قراءة صفحات الاستشارات في المواقع والمنتديات التي كانت (ولا زال قليلٌ منها) وسيطًا بين الجمهور المتعطش للاستشارات وبين مختصين وعلماء تم انتقاءهم حسب موضوعات الاستشارات المرتبطة بتخصصاتهم، كالاستشارات الطبية، والنفسية، والدعوية، والتربوية، والثقافية.. وغيرها.

   فكنت أطالعها، وأطبع بعضها لأعيد قراءتها، مع تنوّع في موضوعاتها حتى بدأت تميل نفسي مع مرّ الأيام إلى ما يرتبط بالاستشارات النفسية حتى استهوتني فقرأت أرشيفها وتتبعت جديدها مدّة لا بأس بها جعلتني أفهم كثيرًا من عقد هذا التخصص العجيب، وأتفهم الكثير (الكثير!) من خلال الأسئلة التي ترد ولو لم أقرأ أجوبتها، فالأسئلة في الاستشارات تأتي لك بالحياة دون أقنعة وإن تخفى أصحابها، أما الإجابات فهي أفعال ومواساة وتوجيه تلحظ تكرار أساليبه وأوامره واقتراحاته بعد طول قراءة وتأمل، فهي لا تتجاوز خطوطًا عريضة جعلتني أتفهم كيف استطاع بعض أصحاب الشهادات المزورة من الأطباء ممارسة احتيالهم دون كشفهم مدة طويلة.

   والسبب الثاني، هو عملي كمعلّم، إن المعلم يقابل في كل يوم مالا يقل عن ثمانين طالبًا وُزعوا على فصولهم بترتيب يسهل فيه تمييز الطلاب ومعرفة أسمائهم ومع مرور الأسابيع الدراسية تبدأ شخصياتهم بالبروز والفروقات بينهم بالانكشاف، ويطفو ما في قاع نفوسهم على سطوح حواسهم ولحن قولهم وصريحه، فتبدأ تتعرف عليهم، ثم تعلمهم، ثم تشعر بهم.. إذا كنت عطوفًا بما فيه الكفاية.

    بعدها، ستشعر بتلك الأعراض البادية على ملامح بعض الطلاب وتصرفاتهم، ذلك الانتماء لزوايا الفصل، بحثًا عن احتضان المكان، وتلك المحاولات للتخفي خلف ظهور زملائهم بعد أن يتنقل المعلم بعينيه بين الطلاب بحثًا عن مشاركٍ ومجيب، ثم تلك الصدمة وما يتلوها من تلعثم وتعرق وتورّد حين تشير إليهم أو تطالبهم بالوقوف للإنصات لهم، فضلًا عن شدّة الارتباك والحصر حين تطلب منهم تكرار ما قالوا ورَفْعُ صوتهم به؛ لأنك لم تسمع ذلك الهمس المرتعش المبحوح الذي نطقوا به، إن ارتقى لكونه نطقًا!

    لا أحتاج إلى اعتراض يذكرني بكوني لست متخصصًا لتصنيف هذه الأعراض إلى (مرض) أو (حالة)، لكنّها موجودة، والوجود يستدعي -عند أهل الوعي- الانتباه والفحص، لكنّ المعلم والمرشد أو أي واعٍ بما يجري غالبًا ما يضربون أخماسًا بأسداس قبل أن يخطو أحدهم نحو المجتمع الذي ائتمنك على هؤلاء، وأيّ مرشدٍ أو معلّم يتجرأ بأن يقول لولي أمر الطالب في مجتمعنا أن ابنك يحتمل إصابته بمرض الرهاب أو الاكتئاب ويفضل فحصه عند أخصائي؟!! إن مجرد تخيّل ذلك يبعث على الارتباك، لذا كان الهدف الواضح من الرواية -كما أتمنى- هو إخراج هذه الأعراض من النقط العمياء في أبصار من يطالعها من أفراد المجتمع.. وبصيرتهم.

    إنّ الرهاب مغناطيس يجذب التنمّر والظلم والهوان، كما أنه تيار داخلي يسحب إليه أمراضًا أخرى تزيد شأنه تعقيدًا وأمره خطورة، كالاكتئاب وغيره، فهو ككرة الثلج تتضخم كلما انحدرت وتزداد انحدارًا كلما تضخمت حتى تسرع إلى الهاوية.

    هي مواقف -قد يحتقرها المجتمع- تصنع مخاوفًا تكون كالندوب في روح وبال الطفل والمراهق، فتجيء مواقف أخرى تجدد جرحها فيثعب هلعًا ويتسع ليكون الجرح كل مرة أعمق غورًا وأشدّ ألمًا، وقد حان الوقت الذي يترفع فيه المتعلمون من أولياء الأسر وأرباب البيوت عن الأحكام الهمجية المتخلفة التي تختصر هذه الأعراض والحالات بكونها ضربًا من الجنون أو قلّة الرجولة أو نقصًا في الاعتزاز والأخلاق، فيُلام الطفل والمراهق بناء على هذه النظرات الكسولة الجاهلة، ويُراد تقويمهم بالأوامر المباشرة أو الضغط النفسي بقناع تربوي أو ربما الضرب والإهانة، فيقع هؤلاء المساكين بين مطرقة الجهل وسندان المرض، فتزداد الضغوط وتكثر المشاكل وتتسع المعاناة فلا ينتج من ذلك إلا التعجل بانهيارهم الذي لا ينفع بعده الندم.. ولا الوعي المتأخر.

    أما السبب الثالث، فمع تجدد وسائل البحث من جوجل إلى أدوات البحث في مواقع التواصل الاجتماعي، لك أن تكتب الكلمات التالية في محركات البحث المتنوعة كما كنت أصنع بين فترة وأخرى: رهاب - #رهاب – رهاب اجتماعي – فوبيا اجتماعية – العزلة - الوحدة ... ثم انظر لفضفضة المقّنعين بالأسماء المستعارة وشكواهم على اختلاف أعمارهم ومجتمعاتهم، وأنينهم المكتوم في واقعهم والمنطلق في المواقع علّ هذا البث يخفف ما يحتقن في دواخلهم.

   كان مؤلمًا للغاية ومبكيًا أحيانًا ما عرّضتُ له شخصية الرواية مما قد يعتبره الإنسان الصحيح المعافى مبالغة، لكنه ضروري، لأنه ما يجري، والواقع لن يجامل روتين المنعم عليهم بالمعافاة، أزعم في رجاء أنّه لو اطلع أخصائي نفسي على الرواية لخرج منها بتشخيص واضح بأن هذا الشاب يعاني من هذا المرض منذ مدة طويلة، وأنّ الأمر معه تجاوز مجرد الاكتفاء بجلسات الحديث والنصح، بل لا بدّ من علاجٍ سريري ودوائي طويل الأمد لما تراكم وتطوّر معه بالإضافة إلى معاناة الرهاب.

   كما أنني في شوق للملاحظات النقدية الجادة في موقع goodreads على سبيل المثال، فأنا أشبه نفسي بمن يدخل سوق الأسهم وهو واع كل الوعي بخطورته، ومثل هذا الاستيعاب يجعلك تتوقع أنواعًا من النقد.. بالثناء أو بالثلب، تركت تعامل مشاعري معه لوقته، غير أنّ حكم الدار المحترمة بصلاحية النشر يعتبر من أوائل الأحكام الإيجابية التي تنمّي الثقة بما كتبته، وقد أفرحني كثيرًا تبنّيهم لها، مع أنني لم أتوقعه، لدينا موهبة عظيمة في إساءة الظن بمواهبنا، وقد قضيت ستة أشهر في كتابتها، ومثلها في مراجعتها، ومثلهما تقريبًا في إساءة الظن بها، لذا كانت الموافقة على نشرها من أوّل مراسلة مدعاة لمراجعة النفس حول هذا التردد والوسواس.

   أسأل الله أن يتقبلها، وينفع بها.

في الأيام الماضية، مرّت علي تغريدات متفرقة لشخصيات مختلفة تقف موقفًا معينًا من عنوان كتاب لابن القيم رحمه الله الشهير: (إعلام الموقعين عن ربّ العالمين)، وكانت شرارة الأمر قد قدحت بتصريحٍ لفضيلة الشيخ العلامة صالح الفوزان -حفظه الله تعالى- يقول فيه: (المفتي موقعٌ عن الله سبحانه وتعالى)، وكان مضحكًا للغاية أن أرى عند كثير من هؤلاء المعترضين مشاعرًا يختلط فيها الاعتراض والانزعاج من الشيء، والفرح بوجوده في ذات الوقت، فكيف يكون هذا يا ترى؟!

لديّ تفسير طريف لبعض المظاهر الفكرية التي تدفع (بعض) هؤلاء لمثل ردودهم العجيبة على كلام الشيخ، تشكّل لدي هذا التفسير من خلال قراءة مقالات وردود لأشخاص يختلفون في التوجه لكنهم يعيشون نموذجًا واحدًا يعززون وجوده من حولهم بالتخيّل، أو بإسقاطه في الواقع بصيغ المبالغة أو حرف الكلم عن مواضعه.. ونحو ذلك.

وعلى كثرة مصطلحات هؤلاء التي ينحتونها وربما يطمع بعضهم في خلودها فإنك تجدهم في كتاباتهم يصنعون المزيد من الألقاب والمصطلحات جديدة أو مقتبسة ويوزعونها بالمجان على الحاضر والماضي القريب.. وربما المستقبل كذلك، تحت شعارات تغري كل مستحضرٍ لبناء السيرة الذاتية التي يرجوها واحدهم لنفسه، وبدوافع صادقة نبيلة أو أنانية نفعية.. لايهم.

وكلما تأملت فيما يكتبون يقع في نفسي أن الواحد منهم، بحق، يكتب بلا وعي، لأنه قد جعل الماضي بُعدًا آخر في حاضرنا، فهو يعيش واقعنا لكن في بُعدٍ مختلف أنشأه بأمنياته وخياله، ويتحّد فيه بشخصيات لها سير ذاتية لا يكتفي بخطوطها العريضة التي يصحّ الاقتداء بها في كل زمان ومن كل الشخصيات؛ بل يقتبس بيئتها ومصطلحاتها وواقعها ومشكلات ذلك الواقع وكلّ تفاصيله ومراحله فيعصره ويصنع منه حبرًا يكتب به سيرته الذاتية الكفاحية في واقع آخر وزمان مختلف، بداية بما قرأه في تلك السير وأُعجبَ به منها.. ونهاية بها، وسواءٌ كانت شخصيات أو مراحل زمنية.. أو غير ذلك.

بل المسألة تجاوزت -عند بعض الشخصيات- إسقاط نموذج سابق حصل في واقعٍ مختلف وسياق تاريخي مغاير.. على واقع اليوم، الأمر -في نظري- وصل بهؤلاء البعض إلى إسقاط أنفسهم على ذلك النموذج وعيش واقعه فأصيبوا بغيبوبة فكرية تامة، فصرت تراهم أثناء طرحهم ونقاشهم وكتاباتهم كأنّك ترى مجنونًا يهذي لوحده ويتحدث منفردًا وكأنه بين جموع من الناس، ويغضب دون سبب، ويضحك بلا باعث، وأحيانًا نتمنى (من باب الفضول العلمي لا تمني الشر) أن نعرف، في عافية من شؤوننا، عن طبيعة العوالم التي يبصرها المجانين ويتفاعلون معها.

وحين أقرأ لبعضهم يأتيني ذات الفضول العلمي أحيانًا حين أجهل طبيعة الواقع الذي يتمثّله أحد هؤلاء، لكنّي أحلف أن البعض منهم يذهب بي مباشرة إلى أوروبا أيام سقراط وأثينا، أو في أواخر العصر الوسيط وربما فيما تلاه من عصور النهضة والتنوير، ويا لشدة فرحه وأنسه حين يظهر من عالمٍ أو طالبِ علمٍ مصطلح أو موقف يقارب ولو بالتكلف والاصطناع أو الكذب والخداع إشكالات ومصطلحات تلك العصور، لسان حالهم: ((أرجوكم، أرجوكم.. كونوا حكماء أثينا.. لأكون سقراط (لكن بدون سموم!)، كونوا محكمة تفتيش رومانية (بدون قوة ولا سلطة طبعًا!) وسأكون غاليليو (مع رجاء ألا تطمعوا أن تروا مني اكتشافًا ما! أتمازحوني؟!!)، ومعاذ الله أن أكون إيمانويل كانت وتكون أنت ملك بروسيا، لا!! فأنا أعرف الخطوط الحمراء مقدمًا، وأصمت عنها في أول العمر، وأقف عليها لأستقبل راسمها بخضوع الالتزام بالخطوط العريضة)).

يقرأ أحدهم لشخصيةٍ أوروبية حاربت الظلمات (بغض النظر عن أي تفاصيل ومقتضيات وأحكام حول هذه الجملة) فيتجه بروحه وعقله وفكره إليها حتى تتلبسه أو ينتقل بالزمن ويتلبسها، فيجد نفسه راغبًا أن تكون سيرته الذاتية فارسة عصرها –مع قابلية التغيير عند البعض حسب الظروف!!-، فيحاول أن يختطف من واقعه العربي والإسلامي النماذج المضادة للشخصية الأوروبية الإصلاحية أو التنويرية.. إلخ، والتي كانت تتمثل بـ:
  1. الحاكم المستبد المؤيَّد بزعمه من الرب، والذي كانت تجسده البابوية ورجالها بسلطتها المتجذرة ونفوذها الواسع حتى على غالب السياسيين في تلك القرون.
  2. التراث اللاهوتي الذي سقط عند أول اختبار للفطرة العقلية والتجربة الحسّية، إما سقوطًا علميًا أو بانغلاق حامليه أمام فتوحات العلم وردعها بالقوة والوعيد.
فيبحث هؤلاء في واقعنا المعاصر –بالغصب والتكلّف- قوالب يسكبون فيها سيالات الماضي.

فمثلًا.. أخذوا يطابقون باللفظ والمعنى واقع الكنيسة في تلك العصور بواقع علماء المسلمين في هذا العصر، مع أن أدنى مطلع لواقع الحال يجد أن علماء أهل السنة ليس لهم في تاريخنا المقدار الذي كانت تنعم به الكنيسة طوال عشرة قرون حيث كانت لهم اليد العليا على كل شيء تقريبًا، اللهم -والحديث عن علماء المسلمين- إلا كمرحلة تالية للقرار تدعم أو تنصح، فعلماء المسلمين -على اختلاف مناهجهم- لا يتجاوزون في سلطتهم حدود سلطة أي مواطن عادي في أي بلاد كانوا فيها، إذا غضضنا الطرف عن الوجاهة الاجتماعية والاحترام المتبادل مع أصحاب القرار في بعض منعطفات التاريخ ورحبات الجغرافيا.

فكيف يُحَمّلون مالم يملكوا يومًا مفاتيح قراره؟!! إنها الغيبوبة يا سادة.. والبعد الآخر الذي يعيشه الغير.

ما شأن هؤلاء الغائبين بتاريخنا وجغرافيتنا وواقعنا؟! هم يرون في سِيرِ الأحرارِ الأوروبيين ما يغني عن أحرار عصر النبوة والخلافة الراشدة والتابعين لهم بإحسان.. وسيرهم، وفي تكرار تاريخ أولئك وثوراتهم ومواجهتهم "للمتحدثين عن الإله!!" ما يثير القلب والوجدان أكثر من سير الصالحين المصلحين خلال تاريخنا، فإذن: ((يجب أن يكون هنالك من يتحدث عن الله من حولنا، يجب، وإذا كانت جملة (الموقعين عن الله) تعني التحذير العظيم من مسؤوليتها ومدافعة منزلتها والتنصل منها قدر الاستطاعة، وليس المعنى الذي نتمناه وهو (أن المفتي يكون في مرتبة تشريف مقدّسة تلقي عليه هالة سماوية) فسوف نتجاهل حقيقة معناها. وحين نقرأ قول ابن القيم: (فخطرُ المفتي عظيم، فإنه موقِّع عن الله ورسوله، زاعم أن الله أمر بكذا، وحرّم كذا، وأوجب كذا) نجعل أصابعنا في آذاننا ونستغشي ثيابنا ونصر ونستكبر استكبارا ليكون المعنى الذي نعيشه في النموذج هو المعنى المقصود، فموقعٌ عن الله، ستعني (ونقولها ولا زالت أصابعنا في آذاننا..) أنّه: يملك السلطة ويضفي على نفسه هالات القداسة والعصمة)) 

أما نموذج (التراث) فالكتاب والسنة يستحيل أن يتعرضا لتطاول حَرفي وصريح، على الأقل حتى الآن، ومن قبل هؤلاء، لكن الطريق لتلبس نموذج تصدي فلاسفة تلك القرون لتراث العصر الوسيط يكون من خلال جعل التراث الشرعي السلفي هو الخلفية الشرعية المبررة للواقع المر اليوم كما يصفون مرارته ويرونها ويقررون وجودها، فإذن هي التعاليم اللاهوتية ذاتها والتي يجب أن نمارس دور التنوير ضدها، ومن هنا بالذات يبدأ التخبط عند هؤلاء على اختلاف توجهاتهم التي تتباين أحيانًا، وما ردودهم على مصطلح (التوقيع عن الله) إلا أنموذج مصغر جدًا للتحايل وحرف الكلم عن موضعه والتدليس في التعامل مع التراث، واختراع نماذج متخلفة لتفعيل نماذجهم البطولية، فيضربون خيال التخلف بخيال بطولاتهم، ويكون المجني عليه الواقع، لأنهم يصيرون من أسباب التخلف، وتأخير الوعي، وإتخام الواقع الفكري بالجدل.

فلا تستغرب غرابة طرحهم وبعده عن الواقع، إذ بات شغلهم الشاغل اقتباس العداوة التاريخية بين (العلم والكنيسة)، من قصة التحرر الأوروبي من سلطة علماء الدين ليحشروها بالتكلّف أو بالافتراء في واقع الأمة الإسلامية بلا مراعاة لاختلاف الدين واللغة والتاريخ.. وحتى الجغرافيا والطبيعة، ولو كان الأمر لهم لغيروا أسماءهم إلى أسماء فلاسفة تلك العصور، وسموا مؤلفاتهم على عناوين مؤلفات أولئك القوم، وربما فعل البعض ذلك.

وهذه من وسائل التحايل البعيدة أو شبه الصريحة للمناهج الثورية والحركية، والتي تدفع باتجاه الثورات والفتن عبر السنوات والعقود، فهي حركات خارجية.. ولكن من بعيد، كأنهم يخرجون المادة الخام لسلاحٍ سيستخدم بعد عقدين أو ثلاثة، وهذا من الخطر بعيد المدى والذي لا يكاد يتنبه إليه إلا علماء أهل السنة الذين اقتبسوا نباهة سلفنا الصالح فعرفوا مواطن الفتن قبل عامة الناس؛ بل قبل من ينسب نفسه للثقافة وهو عاميّ النباهة، ولا غرابة، فإمامنا صلى الله عليه وسلم كانت أحاديثه عن الخوارج تتحدث عن شخصية يخرج من ضئضئها أهل الضلال والفتن، ويكأن ذلك (التطبيق) العملي في كشفه ينبه على أنهم يمكن اكتشاف الشرارات الأولى، فحين تسمع من يقول عن العلماء أنهم (نواب الله في الأرض) فهم يقولون للأجيال وللشباب المتحمسين: أنتم تفهمون بقية القصة (والتي أدت إلى مذابح وفتن الثورات الفرنسية والاستعمار للأمم)، فيصفون الغمد.. ليكمل عقل الشاب ما يناسب مرحلته من تصور حدّ السيف، وهذا من أخطر ما تم تصديره لشبابنا لعقود حتى أدى لما هو معلومٌ اليوم (وأرجو ألا يكون بعد فوات الأوان) مآلاته، فالشاب الذي لا تتحايل على عقله ولا تجنّده الإسقاطات الخاطئة لنصوص العزيمة والقتال الدينية، ستنجح إسقاطات (الأفيون الآخر) في جذبه للتجنيد.

الأمر عند هؤلاء كمن يرى أن أول شروط الليبرالية هو حلق الشارب مع اللحية، وكمن يظن أن فن الرواية يلزم كتابها بتدخين الغليون (بهذا المصطلح بالذات!)، والاستماع للسمفونيات العتيقة، أو أن السيرة الذاتية لا تحلو إلا بارتداء (السكارف!)، وربما يتخلل هذا العالم الموازي شكليات دقيقة، كالمصطلحات، فيصير لفظ الجلالة الله سبحانه وتعالى -بعد عفوية اللسان العربي المبين-: الإله.. الرب مع جفافٍ فلسفي ظاهر، وربما بدت نصوصهم بناء وتركيبًا وكأنها تُرْجِمت للغة أجنبية، ثم عادوا وترجموها إلى اللغة العربية، فصرت ترى نصًا مترجمًا دون ترجمة، وهذا من الإغراق في تعبيراتهم المنقولة عن أولئك، وهي من طرائفهم الغريبة.

والنتيجة -في أسوأ الأحوال عند (بعضهم)- الدعاية لحريّة النفاق والكفر والسخرية من مواجهة الشرك، والجفاء مع قضايا القرآن والحياة العظمى كالتوحيد والإخلاص والتقوى والدعوة إلى الله والتوبة.. وغير ذلك، واعتبارها انصرافًا عن الواقع، في نظرةٍ خالدةٍ إلى علمهم من الدنيا، وكذلك التهوين من قدر الشريعة في قلوب الناس من خلال الأخذ بما يطلقون عليه المعاني الكبرى التي تحققها كالعدل ومحاربة الفساد دون مراعاة لتفاصيل السياسة الشرعية، مع المراعاة التامة لتفاصيل التجارب الغربية في الحكم والثورة، فضلًا عن تغير النفس تجاه سلفنا الصالح والجفاء البالغ نحوهم لإلحاح معارك النموذج في نفوسهم حتى تختل وتشمئز مما يجب في أقل الأحوال تقديرهم وإجلالهم.

لذلك أسأل نفسي أحيانًا: ماذا لو استمرت سلطة الكنيسة إلى يومنا هذا، وكان مندوبي البابوية في تلك الأمم لا زالوا يحكمون "بأمر الإله"، وماذا لو لم تظهر تلك الأسماء الكبرى في قصة الحضارة الأوروبية، أو أنهم وجدوا لكنهم كانوا في غمار الناس.. نسيًا منسيا، فكأن تلك السير لم تكن، بل وحتى توما لم يظهر فيهم، فكان الأمر خالصًا لتعاليم الكنيسة بلا كدر ونكد، وفي ذات الوقت كان واقعنا الإسلامي والعربي كما هو الآن؟ كيف يكون حال هؤلاء؟! وهل ستهديهم عقولهم لأسئلة النهضة منطلقين من الوحي كما ينبغي لعقلاء الأمة؟! أم سيكونون أيتامًا بلا نموذج؟!! وربما دلهم إقدام عقولهم على التكايا والزوايا؟! ربما.. من يدري.