جاري تحميل ... مُدَونة كِتَاف

إعلان الرئيسية

إعلان في أعلي التدوينة

أرى تحت الرماد وميض جمرٍ

بعد المعركة التي فتك فيها علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالخوارج في النهروان، التفتَ أبو الحسن رضي الله عنه إلى قادته وقال لهم: «اطلبوا المخدج» وهو رجل بصفات جسدية محددة، قد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أبا الحسن عنه وعن هذه الصفات، وأنه سيكون مع الخوارج الذين سيقاتلونه، ومما قال عليه الصلاة والسلام بعد ذكر صفاته: «إن كان فيهم فقد قتلتم شر الناس، وإن لم يكن فيهم فقد قتلتم خير الناس»، فلما التمسه رجال عليّ لم يجدوه، فرجعوا إليه رضي الله عنه.. فبكى.. وبكى قادته، وقال: ويلكم انظروا.. اطلبوه فوالله ما كَذَبت ولا كُذبت.. فرجعوا يبحثون عنه، وفي رواية أن عليًا ركب بنفسه وأخذ يبحث معهم بين القتلى.. فوجدوه وجاؤوا بجثمانه نحوه مستبشرين.. فكبّر وكبّر رجاله ونزل وخرّ ساجدًا.. وسجدوا معه شكرًا لله تعالى.. وكان حالهم كما جاء عند أحمد: «وكَبّر الناس حين رأوه واستبشروا، وذهب عنهم ما كانوا يجدون».

وهذا الخليط من القلق والحيرة كان ملازمًا لعليّ رضي الله عنه منذ بداية شأنهم معه، فقد لمح أبو الحسن سَمْت هؤلاء لحظةَ اعتراضهم الأول ضده، حين رفضوا التحكيم وصرخوا أمامه: لا حكم إلا لله.. لا حكم إلا الله. فتأمَّلهم وهم في ضجيجهم وغوغائيتهم، ثم قال: «كلمة حق أُرِيد بهَا بَاطِل، إِن رَسُول الله ﷺ وصف أُنَاسًا إِنِّي لَأعرف صفتهمْ فِي هَؤُلَاءِ الَّذين يَقُولُونَ الْحق بألسنتهم لَا يجاوز هذا مِنْهُم.. وَأَشَارَ إِلَى حَلقه…» ومع ذلك، لم تصدّه هذه المشاعر عن مواجهتهم منذ البداية الواعية بماهيّتهم، سواء بالتهديد الصريح كما قال لأحد من جادله منهم: «كأني بك قتيلا تسفي عليك الريح» وقال لجموعهم حين تمادوا في مقاطعته وهو على المنبر بعد أن قلّب كفّيه استغرابًا من حالتهم العجيبة في التقلّب والانحدار نحو الغوغائية: «حُكْم الله ننتظر فيكم»، وهذا التعجّب من أمرهم انتقل للإمام ابن كثير رحمه الله بعد ذكر شأنهم بداية الأمر مع علي رضي الله عنه فقال في تاريخه: «قلت: وهذا الضرب من الناس من أغرب أشكال بني آدم، فسبحان من نوع خلقه كما أراد، وسبق في قَدَرِهِ ذلك».

ثم إن عليًا رضي الله عنه تركهم وشأنهم، وحاول الترفّع عن جدلهم بعد أن وعظهم وناقشهم حتى يئس منهم، فذهب للشام مع جيشه، لكن جاءه خبر فتك الخوارج بمن خلّفهم من رعيّته في العراق، ومنهم خباب بن الأرت رضي الله عنه، الذي نحروه، ثم قتلوا زوجته وبقروا بطنها وأخرجوا جنينها، فأرسل رسولًا ليستعلم الخبر، فقتلوا رسوله.

فلما علم بمقتله، وما جرى، قفل عائدًا بالجيش نحوهم، ولم يستعجل قتالهم، بل منحهم فرصة أخرى، وأرسل إليهم قائلًا: «ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم لنقتلهم بهم، ثم إنا تاركوكم وذاهبون عنكم إلى الشام، ثم لعل الله أن يقبل بقلوبكم، ويردكم إلى خير مما أنتم عليه» لكنهم أبوا، وأصروا على رأيهم وبعثوا إليه يقولون: «كلنا قتل إخوانكم، ونحن مستحلون دماءهم ودماءكم».

قال ابن كثير رحمه الله في تاريخه: «فتقدم إليهم قيس بن سعد بن عبادة، فوعظهم فيما هم مرتكبوه من الأمر العظيم، والخطب الجسيم فلم ينفع ذلك فيهم، وكذلك فعل أبو أيوب الأنصاري؛ أنبهم ووبخهم، فلم ينجع فيهم، وتقدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إليهم، فوعظهم وخوّفهم وحذّرهم وأنذرهم وتهدّدهم وتوعّدهم، وقال: إنكم أنكرتم عَليَّ أمرًا أنتم دعوتموني إليه وأبيتم إلا إياه، فنهيتكم عنه فلم تقبلوا، وها أنا وأنتم فارجعوا إلى ما خرجتم منه، ولا تركبوا محارم الله فإنكم قد سولت لكم أنفسكم أمرًا تقتلون عليه المسلمين، والله لو قتلتم عليه دجاجة لكان عظيما عند الله، فكيف بدماء المسلمين؟! فلم يكن لهم جواب إلا أن تبادروا فيما بينهم أن "لا تخاطبوهم ولا تكلموهم وتهيؤوا للقاء الرب عز وجل، الرواح الرواح إلى الجنة!" وتقدموا فاصطفوا للقتال، وتأهبوا للنزال».

ورغم التهيؤ للمعركة أمام أنظار هؤلاء، من اصطفافٍ للقتال، ورفعٍ للسيوف والرماح، وتصويبٍ للنبال، إلا أنَّ عليًّا رضي الله عنه قرر أن يمنحهم فرصةً أخيرةً، فأمر أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه «أن يرفعَ رايةَ أمانٍ للخوارج، ويقول لهم: من جاء إلى هذه الراية فهو آمن، ومن انصرف إلى الكوفة والمدائن فهو آمن، إنه لا حاجة لنا في دمائكم، إلا في من قتل إخواننا».

ومع كل هذه الفرص التي مُنِحَت لهم مِن عليّ رضي الله عنه، ورغم أنه قد تغافل عن كثيرٍ من تجاوزاتهم التي فجروا فيها، واشتد انغماسهم بعدها في الفتنة، من استحلال الدماء، والقتل بناءً على هذا الاستحلال، والذي صرحوا به ولم يخفوه- إلا أن القلق كان ملازمًا له كما جاء معنا في بحثه عن ذي الثدية.. المخدّج، ومع هذا، لم يمنعه هذا التخوف من تلك الاحتمالية بكونهم «خيرَ الناس» من أن يفتك بهم فتكًا عظيمًا حين انتهت كل الفرص الممكنة لإعادتهم إلى عقولهم، وإلى الحق، سواء بقناعة منهم.. كما حصل مع ابن عباس رضي الله عنه حين حاورهم، أو بالترهيب كما حصل قبيل بدء المعركة من انسحاب بعضهم.

وقد وصف بعض القادة في جيش عليّ حالَهُ حين فتك بهم، وأنه قد «جزع من قتلهم»، وجاء معنا أنه قد خرّ ساجدًا وبكى، ومع كل ما سبق؛ فإنّ عليًا رضي الله عنه قد بشّر جنوده بعِظَمِ فَضْلِ مَن قاتلهم وفتك بهم فقال: «لولا أن تَبْطَرُوا لحدَّثْتُكُم بما وعدَ الله الذين يَقْتُلُونَهُمْ، على لسان محمّدٍ ﷺ» وفي روايةٍ قال: «أنا فقأتُ عين الفتنة … ولولا أني أخشى أن تتركوا العمل لأخبرتكم بالذي قضى الله عز وجل على لسان نبيكم ﷺ لمن قاتَلَهم مُبصِرًا لضلالتهم عارفًا بالهدى الذي نحن علَيْه».

إنّ هذا الحَدَث -وغيره كما سيأتي معنا- يُبيّن عن شعورٍ مُلازمٍ لمواجهة هذه الطائفة، تتميز به كما لم تتميز بمثله الفِرَقِ والطوائف الأخرى، ويضع من يواجهها في حالٍ من الاضطرابِ والتشوّش بسببه، وهو شعور القلق، والسبب الرئيسي في ذلك، أنه لا فَرْقَ واضحٌ وجَلِيٌّ (عقديٌّ كان أو فقهيّ) بين الخارجيّ كما ظهر في عهد النبي ﷺ (ذو الخويصرة) وكما ظهر في عهد عثمان، وكما ظهر كذلك في عهد عليّ، وبين المسلم السنّيّ الموحد.

لا عليك من التطورات اللاحقة، والضوابط (الاجتهادية) المتأخرة، والتي -لسبب ما، وفي تغييبٍ للسياق التاريخي- جُعلت من البعض شروطًا للخوارج، إما أن تجتمع فيهم، أو فلا يصح أن يسمى أحدهم خارجيًا، ومن أشهرها: التكفير بالكبيرة.. وهو أمرٌ طارئٌ جاءَ بعد كل هذه الأحداث الثلاثة:

  • حَدَث ظهور النزعة الخارجية، أو الخروج الأول كما يراه بعض أهل العلم، وهو موقف ذي الخويصرة مع النبي ﷺ.
  • حدث قدوم السبئية والخوارج الأُوَل من الأمصار واتجاههم نحو المدينة المنورة وحصار خليفة المسلمين.. ثم قتله.
  • وحدث خروجهم على عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.

ففي كل هذه الأحداث لم يظهر في هؤلاء ضابط التكفير بالكبيرة، بل لا فرق بينهم حينها وبين عموم المسلمين والصحابة في أي باب من أبواب العقيدة أو الفقه.. وغيرها، وإنما لبّس عليهم إبليس، وجاء هلاكهم من (التصور الخاطئ).

فذو الخويصرة رأى أن إعطاء سادات قريش من أموال الغنائم وتَرْك من سبقوهم للإسلام ينافي العدل، فكان ضلاله من قِصَر تصوّرِهِ لحقيقة الأمر، لأنّ وليّ الأمر (وهو هنا النبي ﷺ) لديه حسابات أخرى تتجاوز ما يظهر لهذا الهالك، وهو تألّفهم، وكذا الأمر بالنسبة لعثمان بن عفان رضي الله عنه، فقد اجتمعوا ينتقدونه انتقاداتٍ إدارية ومالية ناتجة عن ضِيقِ أفقٍ ونظرة لا تتجاوز حدود معرفتهم المحدودة بالبعد المكاني الذي كانوا فيه نائين عن دار الخلافة ورجال دولتها، مع جهلٍ عميق بظروف القرارت، وبُعدهم عن دوائرِ صياغتها، وغياب الكثير من المعطيات الشرعية والتاريخية عنهم، التي يجب أن تحتشد لديهم وتتآزر لتكوين تصوّر يقرّبهم من الحكم الصحيح، فضلًا عن توفّر المكانة والصلاحية التي تؤهلهم لهذا الحكم.

وهذا النقص لديهم يظهر في حواراتهم مع عثمان، وردوده عليهم، وكذا الأمر مع علي بن أبي طالب -رضي الله عن الجميع- في مسألة تحكيم الرجال، وحواره معهم في هذه الشبهة الغريبة التي لا علاقة لها بذنبٍ صغير تم تكفيره والمسلمين بناء عليه، ولا بما يشبهه من الضوابط المتأخرة، وإنما هي تصوّرات رعناء تجاوزت الرؤوس لتصير قولًا وفعلًا، وتحوّلت لفتنة سُفكت فيها الدماء، وزادت الأحداث، المتوترة من قبل ذلك، اشتعالًا، ولذلك من يتأمل أسلوب عليّ رضي الله عنه في التعاطي مع حججهم، سيجد السخرية من حالهم ظاهرة، مع استسخافٍ بعقولهم، ويأسًٍ منها، كيومِ خرجَ على المنبر أمامهم، وبيده المصحف، فرفعه، ثم التفت إليه وقال: حدّثهم.. أو نحوًا من هذا اللفظ.

وفتنة التصور الخاطئ ليست بدعةً ظاهرة، بل هي جَدَلٌ حَوْل الواقعِ.. وفقهه، ولذا حِيرَ في أمرهم مع كل ظهورٍ لهم لا يرتبط ببدعٍ طارئة ومتأخرة، وغَبّر الغموض على أجواء خروجهم، وهذا لن تجده عند الصفويين على سبيل المثال، والذين تحترق عدالتهم بمجرد حديثهم عن أبي بكر وعمر وبقية الصحابة، أو عن تحريف القرآن، أو القدح بأمهات المؤمنين.. وما إلى ذلك من ضلالاتهم القبيحة، ولا عند غلاة الصوفية الذي يستبين سبيلهم بمجرد تراقصهم كالشياطين حول القبور، واستغاثتهم بكل ميّت، ولا غيرهم من الفرق الضالة ممن لا تجد للحيرة مكانًا في الحكم على حالهم، وانكشاف زيغهم، ومعرفة: من هم؟ وما مآلات حديثهم؟

ولكون حالهم بهذا المستوى من الإشكال؛ لم تتوقف فتنة القلق بشأنهم عند قتلهم في النهروان، واستخراج ذي الثدية، وشهود الدوائر المحيطة بعليّ رضي الله عنه على ظهور الحق، فأهل العراق أهمّهم أمر هذه المقتلة، وأحزنهم، لذا رفضوا استكمال المسير مع عليّ رضي الله عنه نحو الشام، وقال ابن جرير عن سبب هذا الحزن والهم: «قيل: إن ذلك بسبب قتله الخوارج؛ لأنهم كانوا قراباتهم وإخوانهم، ويرونهم أفضلهم وخيرهم؛ لعبادتهم وقراءتهم، فتثاقلوا عنه وهجروه، فدخل عليّ الكوفة في حالة الله بها عليم».

فكان تعبدهم وصلاح حالهم واجتماعهم مع عموم المسلمين في العقائد والعبادات موضع شبهة أثّرت على الواقع كما ترون، وغيّرت مجرى الأحداث، وسبّبت لغطًا وجدلًا حتى بعد انقماع شرهم، وهذه السمات الثابتة عند الخوارج تُظهر احتمال كونهم من خير الناس وأطهرهم في عيون المجتمع عامة، والذي لن يكون عقله الجمعيّ واعيًا بذات التفاصيل التي يدركها أهل الدراية والمعرفة، كما أدرك عليّ من حقيقة حالهم ومآل أمرهم ما أدرك، بل غالبًا ما يتجاوز الأمر الاحتمال، إلى اليقين بأن الأصل فيهم الصلاح والتوفيق.

إلا أن هذه الخيرية المحتملة في ظاهر أمرهم لم توقف عليًا عن مواجهتهم، وقتلهم، والفتك بهم، بعد نيلهم كل الفرص، ثم الفخر بذلك؛ لأنهم -في نهاية الأمر وحسب الوحي- «شرُّ الخَلْقِ والخَلِيقَة»، و«كلاب أهل النار»، لكنّ قَدَر مَن يواجههم أن يمرّ بهذا البرزخ الكئيب في التعامل معهم، والمُوفّق من يَحْزِمُ أَمْرَه، ملتزمًا بوصية النبي ﷺ في كيفية مواجهتهم، ومنهج أبي الحسن في الإقدام على ذلك رغم ضغوط الاحتمالات، فهو الوحي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وكفا بهذا هديًا وإرشادا.

*          *          *

ومثل هذا الشعور اعتمل عند معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، حين تمكّن من حجر بن عدي وصحبه، لأنّ حِجرًا قد شغّب على ولاة العراق التابعين لخلافته، وأظهر النكير عليهم، في زمنِ سلامٍ واستقرار سَبَقَتهُ مرحلةٌ دامية ومؤلمة من الحربٍ والفتنة، والتي لم تغب عن ذاكرة المسلمين ومشاعرهم، وقد صَبر والي الكوفة حينها المغيرة بن شعبة رضي الله عنه على تشغيب حِجْر عَليه، وقال لمن أشار عليه بالفتك به أنه قد كبر سنه، ولن يختم عمره بقتل خِيار القوم (وتأمل سبب التردد وموطن القلق عند المغيرة، حيث أشكل لديه ظاهر القوم الخيّر الصالح).

ثم تولى زيادًا شأن البلدة بعد موت المغيرة، وكان حازمًا فيما يتعلق بشؤون الدولة، ورأى حِجْرًا وقد اجتمع من حوله فتيان العوائل والقبائل، فلم يُمهِلهُ أو يتهاون معه، وصارتْ جلبة ووميض نار، كادت أن تعيد الفتنة جذعة، لولا تحرّك أهل الحكمة من بعض صحابة رسول الله ﷺ وسادات المجتمع، الذين سلّموا رؤوس هذه الفتنة للدولة بعد أخذ الأمان لهم من بطش الوالي زياد، والاكتفاء بتحكيم أمرهم بين يديّ أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، الذي وصله خِطَاب الوالي بما جَرَى من القوم، وشهادة وجهاء المجتمع على ذلك، ووصلته رسالة أخرى من أحد أعيان البلد، تزكي حجرًا في شؤونه التعبدية، فانتقل الجَدَل بشأنهم من العراق إلى الشام، وفي ديوان معاوية وقادته، وثار جدلٌ، واحتقنت النفوس، وأحاطت الحيرة بمجلس أمير المؤمنين، ورأى كراهية قتلهم في نفسه أحيانًا، وفي بعض الوجوه من حوله، حتى إن بعضهم غضب واعتزل مجالسته، وراجع معاوية واليه في أمرهم ليتثبت مرّةً أخرى مما صنعوه، وتأمل حيرته بين أحرفه في رسالته للوالي: «أما بعد، فقد فهمت ما اقتصصت به من أمر حجر وأصحابه، وشهادة من قبلك عليهم، فنظرت في ذلك، فأحيانا أرى قتلهم أفضل من تركهم، وأحيانا أرى العفو عنهم أفضل من قتلهم والسلام»، فأعاد عليه الوالي ما جرى، وأكد شهادة الشهود، وطلب من معاوية، إن لم يفتك بهم، ألا يعيدهم إليه.

لكنه في نهاية الأمر رأى قتلَ حجرٍ وبعض من معه، وأمر بذلك، وقال: «قتله أحب إلي من أن أقتل معه مائة ألف». وقال لسيد القوم الذي شفع لحِجرٍ كونه ابن عم له، وكان من جلسائه، وقومه من جنوده: «إن حجر بن عدي لو قد بقي خشيت أن يكلفك وأصحابك الشخوص إليه، وأن يكون ذلك من البلاء على المسلمين ما هو أعظم من قتل حجر». وقال لعائشة رضي الله عنها حين لامته في شأن حجر: «أما حِجْر وأصحابه فإني تخوفت أمرًا، وخشيت فتنة تكون، تهراق فيها الدماء، وتستحل فيها المحارم».

وقد أقر أهل العلم -على خلافٍ- معاوية رضي الله عنه على فعله، واستدلوا بقول النبي ﷺ: «مَن أتاكم وأمرُكُم جميعٌ على رجل واحد يرِيد أن يشقَّ عصاكم أو يفرِّق جماعتَكُم فاقتلوهُ»، وقال عليه الصلاة والسلام: «إنّه ستكون هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فمن أراد أن يفرِّق أمر هذه الأمَّة وهي جميعٌ فاضربوهُ بالسَّيفِ كائنًا من كان» ولا يخفى على صاحب العقل ما توحي به خاتمة الحديث: «كائنًا من كان» من أنّ مثل هذا القرار الدّامي قد يصاحبه إشكالات تتعلق بتزكية هذا المقتول، والحيرة في شأنه، كونه ذا مكانة معنوية يُهاب معها قتله أو تحييده، فجاء التأكيد لإزالة هذا الاحتمال.

ومن عجائب ما مرّ عَليّ من جدلٍ حول قَتْلِ حجر بن عدي أثناء بحثي لكتابة هذا المقال، أن تجد الشيعة في تراثهم، وحتى يومنا هذا، يعتبرون هذا القضاء في حَقّ حِجر وصحبه أمرًا آخر يقدحون به في معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وأرضاه، ويعتبرونه مظلمة، مع أنّنا رأينا حالهم حين اقتحموا عالم السياسة، وصار لهم دولة في إيران، ومناطق نفوذ في مناطق أخرى، وشهدناهم يطبقون هذه السياسة التي ينتقدونها في تراثهم داخل حدود سيطرتهم، وسيرتهم السياسة المعاصرة (فضلًا عن دولهم التاريخية) طافحة بمثل هذه المواقف التي يفتكون فيها ببعض شيعتهم، ويرون ذلك من (مقتضيات الحفاظ على الدولة والسلم العام)، بل هم في زماننا يعتبرون أشرس من يتتبع مثل هذه الشخصيات التي تثير (الفتنة) في مناطق نفوذهم، بلا محاكمات، ولا استشارات، ولا ورع معاوية رضي الله عنه، ودون جدليات أو حورات أو عتاب، بل قرارات واضحة، ومن لم تصله يد الدولة الأمنية، ستصله أدوات الاغتيال، وأذرع المخابرات، ولن تجد أي نوعٍ من العتب، واللوم، بل الفخر، والحزم.. والصرامة في هذا الباب.

ولعل امتداد أيام الاستقرار بين الفتنة الكبرى التي جرت في عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وزمن فتنة حجر بن عدي وصحبه جعلت صفات الخوارج التي عايشوها باهتة في المشهد العام، لذلك كان الخير الظاهر في حِجر وصحبه موضع إشكال بداية الأمر، مع أن التعبّد، والجهر بما يُرى أنه حق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وحُب المجتمع لهم، سمات واضحة وأساسية للخوارج، فقيام الليل، وصيام النهار، حين يكون ديدن صاحب الفتنة، فهو مصداق لما أخبر النبي ﷺ من حالهم: «تحقرون صلاتكم عند صلاتهم، وصيامكم عند صيامهم» «يَقُولُونَ مِنْ خير قول البرية، يقرأون الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ» «يَتَعَمَّقُونَ في الدِّين، حتَّى يَخرجوا منه كما يخرجُ السَّهم مِن الرَّمِيَّةِ» «يُعجِبون الناس» «يَدْعُونَ إلى كِتاب الله» «يُحسنون القول ويسيئون العمل» وليس إشكالًا أو موضع جدل، لكن هذه الحقيقة الواضحة تغيب كثيرًا في التاريخ.

وهذا فضلًا عن التقلّب اللحظي من الخوارج، الذي أقرب ما يكون إلى خليطٍ من تقلّب المنهج مع تقلب المزاج، والتذبذب بين ما يصنعون ويقولون، وبين سلامة الشعارات وخبث النفوس، والمبادرة والإقدام.. ثم الانسحاب من مسؤولية أفعالهم، وهذه سمة أخرى تورث القلق، وتثير الحيرة في التعامل معهم، فحِجر بن عدي، رغم ما قام به من مجاهرة في الإنكار ضد المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، ثم زياد بن أبيه، والقدح في الخليفة، وعراكٍ مع الشرطة، ثم هروب واختفاء- انقلب حاله إلى إعلان التمسك ببيعة أمير المؤمنين معاوية بمجرد التحفظ عليه، وأنه لم يخلع الطاعة، ولم يفارق الجماعة، حتى إن والي العراق غضب من هذا الرد بعد كل ما حصل فقال له: هيهات هيهات يا حجر! تشجّ بيد وتأسو بأخرى؟!

*          *          *

وهذا الالتباس في حال الخوارج وأهل الفتنة (عبادتهم - قولهم من قول خير البرية - عدم وجود بدعة ظاهرة) كان سببًا رئيسيًا في انطلاق فتنة حصار المدينة ومقتل عثمان رضي الله عنه، فبعض من ظنوا أنهم يحسنون صنعًا ممن أرسلهم أهل العراق ومصر إلى المدينة لتهيئة الأجواء للرايات الخارجة على عثمان، علّقوا استمرار أمرهم من عدمه على دخولهم مدينة رسول الله ﷺ وردة فعل أهل المدينة على استفساراتهم، فقال قائلهم: «لا تعجلوا ولا تعجلونا حتى ندخل لكم المدينة ونرتاد، فإنه بلغنا أنهم قد عسكروا لنا، فوالله إن كان أهل المدينة قد خافونا واستحلّوا قتالنا ولم يَعْلموا عِلْمنا فهم إذا عَلِموا عِلمًا أشد، وإن أمرنا هذا لباطل، وإن لم يستحِلّوا قتالنا ووجدنا الذي بلغنا باطلًا لنرجعنّ إليكم بالخبر»، وحين دخلوا المدينة لم يجدوا مبادرةً للقتال من أهلها، أو تهديدًا ببدئه إذا قدموا، بل توقيًا، ومدافعةً بالحوار والجدل والزجر بمجرد الكلام، فكان ذلك دافعًا لاستمرارهم حتى جرى ما جرى.

وليس لدى الصحابة رضوان الله عليهم نموذجٌ سابقٌ لأهل الفتنة يقيسون عليه إلا ما كان من أمر ذي الخويصرة، والذي كان قصارى أمره حدثًا فرديًا لم يتجاوز ثوانٍ معدودة، وأقرب ما يكون للنزعة الخارجية أكثر من كونه خروجًا -كما ذكر أهل العلم على خلاف بينهم-، ولم يكن مستحضَرًا في هذا الحدث، حيث إن الموقف قد مضى عليه زمن، وذا الخويصرة اتجه للعراق في عهد عمر، وكان رأسًا في فتح الأحواز وقتال المجوس، ولم يتبين أمره ويرفع رأسه للفتنة مرة أخرى إلا حين جاء أميرًا على فِرَق البصرة التي قدمت المدينة خارجةً على عثمان، ولذلك كان الوعظ والزجر الكلامي هو وسيلة الصحابة رضوان الله عليهم ومن معهم ضد هؤلاء، لعلهم يتعظون، بل إن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان إلى لحظاته الأخيرة ممسكًا بالمصحف، محسنًا الظن بديانتهم، ويردد لمن يدخل عليه: بيني وبينكم كتاب الله، حتى غلبتهم عصارة السوء الخارجية، وفعلوا فعلتهم الخسيسة.

ومن قرأ تاريخ الخوارج عَلِم أن لهم نفوسًا تتأرجح بشكل غريب وليس له شبيه عند بقية الطوائف، من المَيل المترنّح لظاهر الحق العاطفي، واللين لمواعظ النصاحين، وزواجر المشفقين وهلةً من الزمن، كأنّ هامسًا من الحق يهمس من بعيد في عقولهم وقلوبهم أن عودوا وأفيقوا، (وهو موطنُ الحيرة معهم، مع ما سبق من سمتهم وظاهر قولهم) لكن سُرعان ما يتداعى كل هذا، فينحدرون نحو أنجس دركات الضلال العمليّ، مع كِبرٍ وغرور، وتمادٍ في الغي، ويظهر هذا الخليط هذا من تعاملهم مع خبّاب بن الأرت رضي الله عنه وزوجته، فانقلبوا معه من طلب حديث رسول الله ﷺ، وطمأنته، إلى نحره وبقر بطن زوجته والتفاخر بذلك.

وهذا هو الفخّ الذي يُوقعون فيه مجتمعات المسلمين طوال التاريخ، ويحيّدون عبره (المجتمع) عن (القيادة)، بل ربّما كان هذا الفخ سببًا في تواطؤ بعض المجتمع معهم، كما جرى ممن خبّأ حجرًا وصحبه في بيوته متنقلًا بينها هاربًا من يد الخلافة التي تحفظ أمنهم وتدير شؤونهم.

لذا -بعيدًا عن طوارئ البدع والضلالات التي ظهرت في طوائف منهم انقرضت أو تشكلت على بدعة متطورة جعلتهم فرقة فرعية مختلفة وبعيدة عن أصل فتنة الخوارج المستمرة في كل زمن- كان هذا الفخّ أهم أسلحتهم، فخّ (ظاهر سمتهم وجميل قولهم)، وبسببه نجا ذو الخويصرة حين استأذن عمرُ بن الخطاب النبي ﷺ في أن يقطع عنقه، فقال عليه الصلاة والسلام: «معاذ اللَّه أنْ يتحدَّث النّاس أنِّي أقتل أصحابي»، وقد كان النبي ﷺ يتألّف سادات قريش وحديثي العهد بالإسلام بإعطائهم الأموال في تلك اللحظات، فكيف يأمر بقتل هذا الإنسان أمام أنظارهم، وظاهره رجلٌ صالح من أصحابه لم يزد على الوصية بتقوى الله، والعدل؟! لا شك أن هذا يناقض تألّفهم واستمالتهم لدين الله تعالى، لأنهم لا يدركون ما وراء هذه الوصية و(الإنكار الشرعي!) من ضلالة خفية وبدعة لم يراها إلا نبينا عليه الصلاة والسلام؛ وحتى عمر بن الخطاب رضي الله عنها لم يعلم أنه أمام ضلالة مستحدثة، لذا وصفه بالنفاق حين استأذن في أن يضربه بالسيف.

*          *          *

ومثل هذا الفخ وقع في زماننا مع جماعة الإخوان المسلمين، وفروعها، من الجماعات المسلحة كالقاعدة وداعش، لتنظيم السرورية والتبليغ وغيرهما، واحتارت بسببه المجتمعات العربية والإسلامية، وربما بعض القيادات، فظاهر أمرهم أنهم مسلمون صالحون، لهم مؤلفات في العقائد والفقه والمواعظ، لا يخرجون عن دائرة أهل السنة، فضلًا عن دائرة أهل الإسلام، لا يقولون إلا من قول خير البرية، أصحاب عبادة ظاهرة للناس، لكن تسلّلت خطواتهم نحو الواقع السياسي والعسكري والإداري كما خطا سيدهم الأول تجاه نبينا ﷺ، وكما خطا مع صحبه تجاه عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، فانقلبوا شياطينًا لا يعلم الناس أنهم شياطين، لأن شرّ الخوارج عبر التاريخ يكون باعتبار ما يحتمل بشكل كبير أنه سيبدر منهم: «إنه سيكون لهذا ولأصحابه نبأ»، «قَتلُ حِجرٍ خيرٌ من أن أقتل معه مئة ألف»، لذلك أدى ترك ذي الخويصرة إلى أن يكون رأسًا ضد عثمان بن عفان رضي الله عنه، ورأسًا ضد عليّ رضي الله عنه، فتطور أمره من مجرد الكلام (اتق الله يا رسول الله! اعدل يا رسول الله)، إلى أن يكون أميرًا على بعض الفرق التي حاصرت المدينة وقتلت ذي النورين مفتتحة فتنةً لا زالت نارها تأكل من أمتنا، ثم يكون قائد الجنود الرجالة في معركة النهروان.

وتجد في التاريخ أن غالب الخوارج الذين أثاروا الفتنة مزكون من خيرة القوم، فحجر بن عدي غضب لقتله التابعين بل وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وهذا من التأثر بصلاحه الظاهر البين الذي لا زالت كتب التراث تحفظ تزكيته من هذا الباب، لكنّ وليّ الأمر في وادٍ غير هذا الوادي، ويرى من عصارة الشر المختبئ بين ركام الظاهر الصالح ما لا يمكن أن يراه البعيد عن دوائر الدولة الأمنية، لذا تجد أن «أشقى الآخرين» كما وصفه نبينا ﷺ عبدالرحمن بن ملجم، كان مزكى من الصحابة وأهل المدينة، بل ووجّه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته أن يُقرّب بيته من المسجد ليُعلّم الناس القرآن وأمور دينهم، وكان قد قرأ على معاذ بن جبل، وكل هذه السيرة (الزكية) في ظاهرها لم تنجه من كونه أشقى الآخرين، ويوازي في شقائه عاقر ناقة صالح كما يُفهَم من حديث نبينا عليه الصلاة والسلام، وقد أُتيَ واجتالته الشياطين ولَبّس عليه إبليس من باب التصور ومعطياته وأدواته، لا من باب المصدر الذي يستدل منه.

ومثله كثيرٌ من خوارج ذلك الزمان، الذين كانوا بين أبناء للصحابة، أو تلاميذ لهم، لكنهم في نهاية الأمر اعتزلوهم وكفروهم ووصل الأمر للمفاصلة بالسيوف والدماء.

ومن ذات هذا الباب دُخل على المسلمين في عصرنا، وباسم (فقه الواقع) الذي بهت التنظير حوله في وقتنا الحاضر، ونَدُر استعمال هذا المصطلح في جدلياتهم الحديثة، لكنه موجود في تراث التيارات الحزبية، وهو ضمن خلفيتهم المعرفية، ومن أدوات التعامل معها، وحاضرٌ كـ (تصريح دخول) لكل الصلاحيات الوظيفية الحساسة والمعارك السياسية والأمنية والعسكرية والفكرية التي اقتحموها، وأثاروا الفتن والقلاقل، وحرضوا المجتمعات على مكتسبات استقرارهم، وأطلقوا الشعارات الحالمة؛ لهدم ما يرونه (بسبب هذا الفقه لواقعهم) صنمًا وطاغوتًا، تاريخًا وحاضرًا، اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا.. إلخ، والبناء عليه حسب ما سوّلت لهم أوهامهم من قدرات وصلاحيات، فانقلب الأمر إلى ما يَشهد عليه حاضرنا من موات وتهجير، وامتطائهم وامتطاء فقههم للواقع من جهات لم ترد بهم ولا بنا ولا بالدول العربية خيرا، وكان ما كان مما ترون ونرى.

وقد أَمِنَت وساوس نفوسهم من انتباه المجتمعات بحقيقة شرهم عبر سلاح الارتباك بحالهم، والاغترار بظاهرهم ومقولهم، كما التبس على سلفنا شأن الخوارج الأولين، فكان (الورع) من مواجهتهم، و(طلب السلامة) من القدح في هؤلاء (الأخيار) و(الصالحين)، سببًا -مرة أخرى في تاريخنا الإسلامي- في تطور الفتنة بالتدريج من تراث الإخوان المكتوب، وهمس التنظيمات، للمنابر والدروس والأشرطة، ثم حمل السلاح من جهة، ومباركة الثورات من جهةٍ أخرى، والارتماء في أحضان استخبارات الدول المعادية لأمننا الوطني والقومي والإسلامي، وها نحن نعيش اشتعال المنطقة نارًا وشرارًا منذ ثلاثة عقود بسبب هذا الأمان الذي مُنِحوه.

*          *          *

حين ارتاحت نفوس المسلمين بعد معركة النهروان ضد الخوارج، وهدأ عنها روعها، ظنوا أن هذا القلق، وتلك الحيرة.. قد ولّت عن المسلمين وديارهم.. بلا رجعة، وأنها لن تتكرر مرة أخرى، فقال الناس لعليّ بن أبي طالب: «الحمدلله يا أمير المؤمنين الذي قطع دابرهم» فقال رضي الله عنه: «كلا والله! إنهم لفي أصلاب الرجال وأرحام النساء»، وهذا القول من عليّ رضي الله عنه إنما علمه من النبي ﷺ الذي قال: «لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع الدجال»، ما يعني أن مع الدجّال قومًا على ذات الحال، والالتباس، ظاهرهم أهل سنّة وجماعة، أصحابُ عبادةٍ وتلاوة وقولٍ للحق في الظاهر، وهم مع ذلك يظنون أنهم بوقوفهم مع هذا الدعيّ أهل خيرٍ وحُسنِ صنيعة، ولا شكّ أن هؤلاء من أدوات تعاظم فتنته بالإضافة لما لديه من قدراتٍ ووسائل، فتأمّل عظيم شرّهم، ومآل أمرهم.

إن الحالة المثلى والمفترضة مع هؤلاء، أن يَخشى واحدهم من كلمة الفتنة في مجتمعات الناس، كما يخشى مُرَوِّج المخدرات أن يبدأ الحديث عن بضاعته في مجتمعاتهم، وكما يخشى المتحرش أن يبدأ بكلمة الشهوة تجاه ضحيته المقصودة حتى لو أمن سماعه لحظتها من غيره، وكما يخشى السارق أن ينظر مُجرَّدَ نظرٍ لموضع سرقته التي ينويها في حضرة من الناس، فيحسّ كل واحدٍ منهم أن الكون كله يطالعه، ويراقبه، ويعرف نواياه، ومستعدٌّ لفضحه، فيتهيّب الخارجي أن يبدأ كلمة التحريض ويُظهر دسيسة الفتنة في الصفّ الدراسيّ.. إذا كان معلمًا، وفي المنبر.. إذا كان خطيبًا، وفي حساباته التقنية.. إذا كان فيها نشطًا.

وهذا يحتاج لاستيعاب مجتمعي بحقيقة هؤلاء، وتاريخهم، ومآلات أنشطتهم في سنوات خلت، ومسؤوليتهم عن الكثير من الفتن التي جرت في واقعنا المعاصر، وفضح تحايلاتهم ومرونتهم التي يتهربون بها من مسؤوليتهم، والاستيعاب بكون احتمال خيريتهم في نفوسكم سبب ما يظهر منهم يجب ألا تمنع من مواجهة كوارثهم من تحريض وغوغائية وافتئات على ولاة الأمور والمسؤولين، فيصير شأن كل مواطنٍ ومسلم مع هؤلاء المبادرة بزجرهم ووعظهم ونصحهم ونقاشهم، ومواجهتهم بما هم عليه من شرّ وضلال، والالتجاء لله ثم لدولته لكفاية شرهم عن أنفسهم وغيرهم إن تمادوا في غيّهم، ويكون لسان حال المواطن السعودي وفي كل بلد ووطن مع هؤلاء كما أوصى أبو الحسن -الذي أكرمه الله تعالى بدحر شرّ هؤلاء، حتى عُدّت من مناقبه-: (أواجههم «مبصرا لضلالتهم عارفا بالهدى الذي نحن علَيه»).
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

تزدان المدونة بتعليقاتكم وملاحظاتكم.

إعلان أسفل المقال