جاري تحميل ... مُدَونة كِتَاف

إعلان الرئيسية

.

إعلان في أعلي التدوينة



كتبت في المقال الماضي عن سطوة الصفحة الرئيسية في مواقع التواصل الاجتماعي على عقل الإنسان ووعيه ومساراته المختلفة في هذه الحياة، وكانت أفكار هذا المقال قائمة على لحظة انتباه عفوية لترتيب المؤلفات في مكتبتي، فلم أكن لأنتبه، ولا لأستوعب دور هذا المؤثر لولا فضل الله تعالى، ثم هذا التوقف.

وصرت بعد تأمل المقال أستوعب أهمية هذا التوقف عمومًا، أُشبه بعض جوانب الحياة وسعينا فيها بتلك اللعبة التي كنا نلعبها في صغرنا، إذ نقف في مكاننا ونثبت، ثم ندور حول أنفسنا بسرعة عالية، فتتحول الصور من حولنا إلى خطوط حلزونية، وكلما أسرعت قلّ وضوحها وصارت كأنها عاصفة رملية ملوّنة تحيطك، وكنا نستغرب أحيانًا وأثناء دوراننا من لونٍ يشطح عن ألوان البيئة المحيطة، فإذا توقفت، دارت بك الدنيا قليلًا، واتضح أمامك كل شيء تدريجيًا، حتى عرفت مصدر هذا اللون، من علبة ساقطة في المكان لم تنتبه لها، أو انعكاس لنور على سطح لامع، وتكتشف أن لونها شاطح فعلًا.

إن ما جرى معي في تلك اللحظات يصلح أن يعمم ويسع الكثير من الأمور في حياتنا ونفوسنا وعلاقاتنا واهتماماتنا، فالتوقف، وتأمل المدخلات التي من الممكن أن لها علاقة بأمور تؤخرك أو تثبط عزيمتك أو تجعلك حقودًا أو غاضبًا أو قلقًا أو متوترًا.. أو على باطلٍ وهلاك، سينتج عنه استيعاب مصادر لم تكن لتدرك أثرها السلبي في يومك وليلتك، أو على الأقل: يوصلك إلى الأسئلة الدقيقة والمناسبة، ومن وُفّق إلى هذا النوع من الأسئلة، سيوفق غالبًا إلى الإجابات الصائبة، والتي ستكشف الكثير من التسرّبات نحو نفسك وعقلك.. أو خارجها، مما يضرك، ويلقي بك في مهاوي الفشل والألم.. والضلال.

أعتقد أن الإنسان سيندهش من مُخرجات هذا التوقف، إذ سيكتشف تلك المصادر (الهامسة) في يومه وليلته، والمسؤولة عن كل ما ذكرته.

هناك (نمّام) بين الناس، يجعل الإنسان يكره الإنسان، وهناك (نمام) بين الإنسان والسعادة، والإنسان والحق، والإنسان والأخلاق الحميدة، والإنسان والسكينة، والإنسان والجدّية، وغالبًا ما يكون (هامسًا).. حتى لو علا صوته.

فربما يكون إنسانًا تثق به، وهذه الثقة تجعل نميمته همسًا وإن علا صوته أمامك، فبين السطور، وخِلال الكلام الظاهر، همسٌ يجعلك أقلّ سعادة، وأكثر ترددًا.

وقد يكون في هذا الجوّال الذي بين يديك، هامسًا يهمس في نفسك وروحك ما يطفئ بهجتها صبيحة كلّ يوم، لتقضي بقيّته نكدًا متوترًا جائعًا لطعام لا تدري ما هو، وعطشانًا لكوثرٍ تجهل مكامنه.

وقد تكون صفحتك الرئيسية في مواقع التواصل كما ذكرت في المقال السابق.

فضلًا عن الهامسين الذي ينكتون في قلبك نكتًا سوداء تحرمك من درجة الخشوع والخضوع سنوات طوال، وربما عمرك كلّه، وتثبّطك عن قراءة وردٍ يومي من القرآن، كلقطات إباحية تبلدت أمامها بحجة متابعة القصص الرائعة في الوثائقيات أو الأفلام أو بعض حسابات مواقع التواصل.. إلخ، أو فضول أكل وشرب ونظر أثقل جسدك فأثقل روحك وحرمك الدرجات العلى.

وقد يكون هذا الهامس (نفسك)، التي سمحت لها بأن تقودك، لأنك عودتها على عدم المجاهدة، وعلى الإذعان لها كل مرّة، فكلما اشتهيت اشتريت، حتى صارت أكثر الهامسين شرًا، فحيثما سلكت طريق خيرٍ انعطفت بك عنه، وحيثما نظرت لجهة الشر تلك النظرة الأولى، سحبتك إليه.

ولأن الناس يعشقون الأمثلة؛ لأنها توضح كل شيء، سأضرب لهم مثالًا واضحًا.

منذ صغري وأنا أقرأ الكتب، لست قارئًا نهمًا، لكنني قارئ، وكان المنهج الذي أمضي عليه: أشتري ما يهمني.. وأقرأ، وأذكر أنني قرأت في البدايات كتابًا واحدًا مختصرًا جدًا عن كيفية القراءة وجمع الفوائد، ثم انطلقت، وقد كان هذا شأني مع الكتب، كأنني سفينة تسير في بحرٍ هادئ في يومٍ ربيعي مشرق، حتى جاءت مواقع التواصل بأنواعها، واجتمع قراء الكتب، واطلعنا على مكتبات وقراء في بيئات تختلف فيها الأساليب، والبدايات، والهمة، وعمق التوجيه.. وبدأ الكلّ ينظّر، وبدأ الكل يجوّعك لكتاب ليس عندك، ولسلسلة لم تكن تهتم بها، ولفنٍّ لم يطرأ على بالك؛ إما لأنها كما قالوا، أو لأنهم أصحاب كاريزما عاليا؛ يبتلعون إرادتك بِهَالَتِهم وجاذبية حديثهم ونظراتهم الواثقة وصوتهم الذي يخترق الحصون التي تحيط قلبك وعقلك.

إنهم كما ذكرت في مقالي السابق: مسوّقون ناجحون، لو سوقوا للتراب -أعزكم الله- لاشتراه البشر.

فكان نتيجة ذلك تضخم مكتبتي بأسفارٍ اكتشفت أنني لم ولن أقرأها، والأسوأ من ذلك أن هذا الهمس في مجموعات الكتب وصفحاتها وحساباتها جعل ذلك السير المطمئن في القراءة الذي كنت أهنأ فيه قلّ أو كثر تواصل أو تقطع، ينقلب رأسًا على عقب إلى اضطراب وهيجان كلما وثبت النفس بسبب تشويق جديد وتسويق ماهر؛ فتتخبط في أنواع قراءتك زمنًا حتى تنسى كيف كنت تقرأ، فتبدأ تقرأ عن كيفيات القراءة وطرقها وتقييد الفوائد مرة أخرى، وبشكل مستمر، حتى تكون بحدّ ذاتها متعة وثقافة وإدمانًا آخر!، وكأنك لم تكن قارئًا مستمتعًا ومستفيدًا قبل ذلك بعقد أو عقدين، وكان نتيجة ذلك بطء في الوصول إلى الغايات القريبة، وعدم الإحساس بالفائدة والإنجاز، ورغبة عظيمة غامضة الأهداف، وتقطّع أوقات القراءة، ودنو العزيمة عن جرد المطولات، وتشتتٌ في الاهتمام والمجالات، أدى لتشتت أعمق في الثقافة وربما التركيز عمومًا.

ويوم كنا نتأرجح بين ذلك الموج المتلاطم من الوصايا والتنظير لم نكن ندرك ما كان يدخل عقولنا، ولم نربط بينه وبين ما جرى لنا من تخبط وتيه، بَلَغَ عقدًا آخر، كاد أن يلغي فضائل العقد السابق له.

حتى جاءت تلك الوقفة، وذلك التأمل، الذي تنظر فيه إلى حالك، ثم تتذكر بداياتك الجميلة، ويجعلك تتساءل: من هذا الهامس الخبيث الذي أضاعني هكذا؟

فإذا هم أناس رائعون، يقولون أشياء رائعة، لكنها تضرك ولا تنفعك، كدواءٍ ليس لك.

ولك أن تقيس هذا المثال على متاهاتك الخاصة بك، بسبب همسٍ تقادم عهده فأصدرت الأحكام بناء عليه، من أناسٍ كرهتهم وهم رائعون، أو حق ضعت عنه وهو ساطع بيّن، أو نكدٍ يومي يُعيق سعيك وكدحك، أو ضعف ثقةٍ تسللت من هَمسِ حسود في لباس تقيّ وصديق.

هذا الأمر مهم، ولا بأس أن أقول إنه خطير، لأن التيه في سنوات العمر قد يهلك صاحبه، وأقل الهلاك الجهل، وتسرّب الوقت بلا إنجاز ديني أو دنيوي، خصوصًا إذا تراكم العمر، وتجاوزت مرحلة رفاهية المحاولة والخطأ في أمور كان يجب أن تستقر فيها قبل عقد أو عقدين.

وهنا تأتي أهمية لحظة الانتباه، والتي قد تأتي صدفة، أو تختار أن تقوم بها، وهي ليست شيئًا مكتشفًا للتو، بل هي أثر من آثار سلوك (محاسبة النفس) الذي هو من وصايا الأنبياء والصالحين من بعدهم.

لن تلتقط حِسّ هذا الهامس، وتدرك من أي جهةٍ يصل إليك، إلا بهذه المحاسبة والانتباه والتركيز.

وهناك أمور أخرى لها علاقة بجودة هذا التوقف، وتعظيم أثرها، لكنها مرتبطة باتساع العلم، وزيادة العمر، فأما الأول فهو بيدك، وأمّا الثاني فتتكفل به الأيام.. إن بقي لك منها نصيب.
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

تزدان المدونة بتعليقاتكم وملاحظاتكم.

إعلان أسفل المقال