الأربعاء، 22 أغسطس 2018

دردشة، مجتمع التدوين، ذكريات.. وأمور أخرى.

في الأسابيع الماضية احتفلت (مع نفسي!) بمرور 10 سنوات على إنشاء مدونة راكان عارف، ثم يا صبر أيوب، ثم رسيس، ثم مدونة الثائر الأحمر، وهذه أسماؤها المتعددة التي تنقلت بينها خلال الأسابيع الأولى من عمرها قبل أن أستقرّ نهاية الأمر على مسمى [ مدوّنة الثائر الأحمر ] – راكان عارف.

وأقمت تكريمًا (مع نفسي كذلك!) يتكون من فقرات متنوّعة، كتذكّر أنه قد مرّ عشر سنوات على افتتاح المدوّنة (وهذه هي الفقرة الأولى طبعًا!)، ثم الانتقال إلى الفقرة الثانية، فقرة (أوف!) والتي أنفخ فيها الهواء من فمي وتتسع العينان لتحكيا دهشتي من مرور الوقت، وأمّا الفقرة الثالثة فهي تفريغ نفسي من الملهيات لأجل المدوّنة؛ للاطلاع على أرشيفها كاملًا منذ أول تدوينة.. لآخر مقال، وقد أخذت عهدًا على نفسي ألّا أصحح أيّ خطأ إملائي أو مطبعي أو أسلوبي مهما كان إغراء التصويب، والغيظ، لأني سأضطر للاستقالة من وظيفتي لأجل هذه الغاية، وحققت هذا العهد لله الحمد والمنة في غالب ما قرأت.

بدأت بقراءتها حين امتطيت أوّل حرفٍ وكأنّني قد ركبت آلة زمن، لأتجوّل عبرها في عقدٍ من عمري، وأقابل شخصياتي واهتماماتي المختلفة خلال هذا العقد الطويل، منذ الحرف الأول الذي قابلت فيه شابًا أعزبًا يسكن وحيدًا في شقّة منعزلة ومطلّة على مزارع مهجورة في مدينة بريدة، وقد مضى عليه 7 سنوات في الجامعة، ولم يتخرّج، إلى ذلك المعلّم، الزوج، الأب، المعلّق بين الشباب والكهولة حتى يحكم الزمان قبضته على مرحلة الشباب ويطرده كليًا.

*          *          *

الكتابة تشيّد متحفًا عن حياتك، وهذا من أقلّ أفضالها، فقد تذكرت في جولتي هذه علاقات وقراءات واهتمامات، كما تعرفت على أخطاء الماضي؛ وكان من الظريف أن أتعرف على أخطاء لم أدرك وجودها قبل هذه الجولة، وربما أدركت بعضها في ذلك الزمان، إلا أنني كنت أظنّه صوابًا أو نافعًا، ولا بأس من ذكر بعضها، فقد استغرقت مع بدايات الأحداث السياسية في البلاد العربية في مسألة أخرى لا علاقة لها بالأحداث المشتعلة في المنطقة، وهي سلاسل انتشرت في الانترنت وقتها حول الجماعات الخفية والماسونية، مما أراه اليوم غير لائق لأن يصرف له أثمن الوقت، خصوصًا ممن مضى في القراءة والاطلاع والجلسات الجادة مع صحبة مميزة سنوات طويلة قبل ذلك، ولم يكن صغيرًا وقتها، بل في الخامسة والعشرين من عمره، ذلك الانصراف كان نزولًا عن عتبات علوتها في القراءة، واهتمامًا يليق بزلّات مرحلة المراهقة، لكني أعذر نفسي نوعًا ما لحجم الإخراج العجيب الذي كانت تُخرج به تلك السلاسل، وكان من الجميل أنني في آخر اهتمامي بها، كتبت عدة مقالات أنتقدها تكفيرًا عن تلك الأشهر.

ولاحظت أيضًا أنني لم أعط القصّة القصيرة حقها من الكتابة، مع قدرتي على ذلك، فإذا ركنت رواية (رهاب) جانبًا، فأنا لم أنشر طوال هذا العقد إلا أربع قصص فقط، وأجدها جيدة ولا بأس بها، أقول هذا وقد انفصلت عنها نفسيًا منذ لحظة نشرها، ولم أعد إلى قراءتها إلا في هذه الجولة، فحكمي عنها جاء بعد ابتعاد، ومن جرب الكتابة والنشر علم أن حكمه على نصوصه سيكون حياديًا ومنفصلًا عن عاطفة كتابتها ونشرها إذا كانت قراءته النقدية لها بعد أسبوعين على الأقل فما بالك إذا كانت بعد أشهر أو سنوات.

والملاحظات التي تنبهت لها كثيرة، وليس شرطًا أن تكون أخطاء وفشل، بل بعضها مزايا كنت أنعم بها ولم أنتبه لفقدانها إلا بعد هذه الجولة، ولعلّ من أهمها بالنسبة إلي، ولغيري ممن يعشق الكتابة، ذلك الاسترخاء غير المثقل بالشروط الذي كان يدفعني للكتابة ونحت الألفاظ وصناعة المصطلحات دون استحضار أي نوع من أنواع النقد.. مهما كان، وتلك ثقةٌ أفتقدها، وسعادة لم تعد موجودة، وحريّة موءودة، إنّ من أعظم سلبيات مواقع التواصل التي أثرت عليّ، تلك اللسعات التي تمرّ علينا بين حين وآخر، تنفخ في محاذير الكتابة، وتبني صرحَ ضميرٍ بغيضٍ من مبالغات وعُقَد، وتخنق الإرادة وتقيّد العقل وتسيء الظنّ، وتكثر من إشارات التنبيه، ووضع المحاذير، حتى "تطفّش" الكاتب من الإسهاب في الكتابة والحدر في السرد، فضلًا عن الجرأة -معاذ الله تعالى- على ابتكار المسمّيات والاستمتاع بذلك، فإمّا أن يخطّ القلم ما خطّه الجاحظ وأسهب به ابن تيمية وقدح في ذهن ابن خلدون.. وإلا فالمداد عليك حرام، ولا كفّارة لهذا!

وهذا الهولوكوست النفسي امتد ليحرق الهمم في مجالات أخرى كالقراءة، فحجزت بين أجيال شابة وبين قامات وأساطين بسبب هذه النصائح الفجّة العسيرة التي لو ظهرت موضتها في أجيال مضت لانمحى من التاريخ أسماء عظيمة في مجالاتهم، فهذه النصائح ستعمل عمل مضيفة الطائرة أو شاشة التنبيه فيما لو استُبدلت جملة (في الحالات الطارئة) إلى حكاية تفصيلية عن ماهية الحالات الطارئة التي ربما يتعرض لها ركاب هذه الرحلة بناء على قصص الكوارث المرعبة في تاريخ الطيران، سترى المسافرين يقفزون من مقاعدهم ويهلك بعضهم تحت أقدام بعضهم من الرعب والرغبة بالمغادرة فورًا من الطائرة، وسيلغون سياحتهم الخارجية ليخيّموا في (أم العصافير).. و"يا دار ما دخلك شر".

كنت أكتب منعتقًا من كل ذلك، لذا كانت مقالاتي طويلة، وأكتبها في وقت قصير، وكانت يسيرة على القارئ، حيث أهتم بإيصال الفكرة والمعلومة دون التركيز على المبنى وزخرفة الألفاظ، عكس التدوينات بدءًا من 1434هـ/2015م، والتي تأثرتُ فيها بوساوس مواقع التواصل، وقراءات متنوعة عدت فيها إلى البحوث والمقالات المنشورة عن أساليب الكتابة وطرقها وكيفياتها، وما جدّ من مطبوعاتها، وابتعادي عن الكتب الأدبية، وقراءتي في الفلسفة والفكر، فتباعد النشر، واتسعت المخاوف، وكثر التردد، وازدادت المراجعات، وركنت الكثير من الأفكار إلى مخزن الحُبْسة، وقصرت المقالات، وحُشرت المعاني، وإن زاد الأسلوب جودة في المقابل، وعلى كل حال، من طالع شيئًا من السير الذاتية تيقن أن قَدَر الكاتب ألا يرتاح لكتاباته الماضية بعد فترة من نشرها، فضلًا عن سنوات بعد ذلك، لكنّي في سياق ذكر الآثار الأخرى.

لكن لا مانع من أن الكاتب قد يعجب بمواضيع قديمة له، تجعل الجانب المثبِّط من شخصيته يردد: (ما شاء الله.. والله لك كتابات جيدة! لا بأس! لا بأس!).

*         *          *

وإليكم إحصائيات هذه السنوات العشر:

  • العدد الكامل للتدوينات المنشورة: 254 تدوينة.
  • عدد مقالاتي منها: 177 مقالة، ولو قسمناها على 10 سنوات، أكون قد نشرت مقالة كل ثلاثة أسابيع، وهي نتيجة مقبولة، وقد كنت أظن أن عددها أقل من ذلك بكثير، ولو كانت المعادلة مقالة كل أسبوعين لكنت سعيدًا بهذا الإنجاز، ولكني لم أنشر بهذا التقسيم للأسف، في البدايات كنت أجدول نشر المقالة، لكني لم أستطع الالتزام بهذه الجدولة، وقد كررت المحاولة فلم أطق هذا الترتيب، ومللت من المحاولات الفاشلة، فصرفت النظر عنها، وصبغت هذا الملل بألوان من التبرير، كاتهام الجدولة بإلزامي أن نشر أي كلام ولو لم أكن متحمسًا للكتابة، فكان نشري فوضويًا.
  • بقية التدوينات التي فصلتها عن تعداد المقالات كانت فيديوهات منوعة وكثيرة (وكنت قد وضعت قسمًا لها ثم ألغيته مع أقسام أخرى) و4 قصص قصيرة و34 تدوينة نشرها الصديقين راكان الضوي، ومشعل الحربي.. في السنة الثانية من المدونة.
  • عدد زوار المدونة منذ البداية وحتى كتابة هذا السطر: ٣٢٦٬٦٦٥ زائر، وهذا الرقم مناصفة تقريبًا بين محركات البحث والزوار المباشرين، ومتوسط زوار المقالة مع الأيام يتردد بين 400 و2000 زائر.

*          *          *

كثيرًا ما ألام من بعض الأصدقاء والأفاضل حول اكتفائي بالنشر في هذه المدونة، مع العلم أنني قد نشرت في صحيفتي المدينة ومكة زمنًا، وكنت كاتبًا لخمس سنوات تقريبًا في مجلة حياة للفتيات التي كانت منتشرة في العالم العربي، وعشت معها نعيم التفاعل، وعُرض عليّ الكتابة الأسبوعية في موقع الألوكة بعد مشاركتي معهم في مقالة لي رُشّحت للفوز في إحدى مسابقاتهم، كان عنوانها (القافلة تسير والعاقل ينصح)، ولا زالت منشورة في موقعهم باسمي، لكنّي رفضت عرضهم لأنهم يحصرون كتابتك في اتجاه معيّن، ولا شك أنه اتجاه خيّر، لكن سيحرمني من الكتابة في غيرها لانشغالي بها، فارتحت في النهاية للكتابة في المدونة لهذا وللأسباب التالية:

الأول: أنّ التفاعل في هذه المدونة جيد جدًا، ولا بأس به، وجزء كبير منه لأني حريص على الدعاية له بعد نشر كل مقال عن طريق إعلانات جوجل، وإعلانات تويتر، وأنوّع في خريطة الدعاية بين حين وآخر، فأتنقل من دولة لأخرى بحسب المقال، فمثلًا مقال [ الرافِه في شرح أحاديث التوافه ] أعددت له دعاية في الكويت ومصر، والأسباب معلومة لمن قرأ المقال.

السبب الثاني: اعتقادي أن الحدود التي تقيد التفكير، والأحمال التي تثقل بالك حين تكتب في الإعلام الرسمي، أو حتى الخاص (المملوك)، والذي تكون فيه تحت سطوة محرر ما (مسطوًّا عليه هو الآخر من قبل إدارة عليا)، وفي حدود مزاجه وفكره ومخاوفه ومبالغاته (وتفوقه العلمي أو الأدبي أحيانًا!)- تسيء لكتاباتك وتكتم الأنفاس حتى تصاب بما يسمى حبسة الكتابة من شدّة القرف والانزعاج، وقد ذكرت أن الألوكة عرضوا عليّ الكتابة لديهم، وهو بلا شك من خير المواقع وأجملها في الانترنت، ولكن أحد أسباب رفضي كذلك هو رسالة أرسلها لي محرر الموقع حول شروط (مبهمة) تُدخل المزاج والذوق الأدبي في تصنيفهم لكتاباتك، بالإضافة إلى امتلاكهم لكتاباتك بمقابل رمزي لا يستحق هذا العطاء.

وقد ذكرت أنّ التفوق العلمي والأدبي للمحرر من مقيدات التفكير بالنسبة إلي، وهذا واضح، وأبرره لنفسي بتصالحٍ تام، فلم نُوفق -واسمحوا لي أن أستطرد هنا- في طفولتنا إلى أية علاقة مع الكتب، ولم نتأسس على شيء مطلقًا، لا جيدٍ ولا ما هو أقل من ذلك نفعًا، وقد بلغت سنّ المراهقة ولم يقع بين يديّ كتابٌ خارج المنهج الدراسي غير رواية واحدة ممزقة لأجاثا كريستي، فلم تكن المكتبات معروفة في مدننا، ولم تضف البيئة شيئًا لي، وقيل فيما بعد أنّ مدارسنا التي درسنا فيها تحوي مكتبات، ولم أدر عن ذلك في الاثني عشرة سنة من الدراسة فيها، ولم يكن الانترنت متاحًا، وحتى في السنتين الأخيرتين من الثانوية حين أخذت مقاهي الانترنت بالانتشار في المدن والمحافظات، كانت الساعة بخمسة وعشرين ريالًا سعوديًا (7 دولارات تقريبًا)، وكان النصف الأول من الساعة يُستغرق في فتح الصفحة الرئيسية لمحرك البحث جوجل، والنصف الثاني للبحث عن صفحة عربية من بين عشرات الصفحات الإنجليزية، وهكذا تصرف قرابة المائة ريال لدخول الصفحة الرئيسية لأحد المواقع العربية القليلة، فلم يكن هنالك مجال للتعلم من الانترنت، ولم يكن المحتوى العربي مؤهلا لذلك حينها، وحين كنت أبحث عن مدينتي رفحاء في جوجل لم يكن يظهر لي في 2001 إلا صفحة عراقية عن ذكريات النازحين العراقيين في رفحاء، ويبدو أنه تابع للأمم المتحدة، فحرمنا في هذه الأجواء المملة من التأسيس في تلك المرحلة، والحمدلله على كل حال.

ومن ثم، وبعد أن بدأت أتكلف القراءة في المرحلة الثانوية بعد تيسّر السفر لمناطق تحوي مكتبات، لم أنعم بالموجّه والناصح، إلا في توجيهات مرتبطة بالاتجاه الشرعي العلمي، وعلى قيمته، لم أكن مهتمًا به، وقد علم كل أناس مشربهم، وكان يصاحبها تحذيرات (دافعها النية الطيبة ونبل التطوع وعمل الخير ونفع الناس والذي لن نوفي أصحابه حقهم العظيم علينا) من أي توسع نحو أي اتجاه في القراءة لأننا لا زلنا (في أول الطريق)، فكان لهذه التوصيات سطوتها حتى يومنا هذا، وقد انصرفت عن القراءة لمؤلفين كبار زمانًا (كابن تيمية مثلًا، وابن خلدون، والرافعي.. وغيرهم) بتأثر نفسي من وصايا صنعت عقدًا في النفوس بالكاد حللت بعضها مع الوقت، وربما كانت الوصية نافعة بحق، وصائبة تمامًا، لكنّ صياغة التحذير محتقنة بالمبالغات والتهويل، فتثبط من عزم النفوس اليافعة المتوثبة، وتستوحش من أقلام العظماء، ولعل هذه مما يغفل فيها المربي أحيانًا، وهي من أشواك أرض التعليم التي أخشى أن أطأها كلّ حصة أدخلها على طلابي.

على أية حال، بعد أن بعثرْتُ بنية التعقد من القراءة وأزلتها عن نفسي أضعت وقتًا ثمينًا على توافه أو تعقيدات، فتخيل أن تفتتح عالم القراءة بكتب سياسية عن ستينات وسبعينات مصر لا تساوي ثمن الورق الذي كتبت فيه، فقط لأن العناوين جذابة، أو كتابًا عن نظرات جديدة في القرآن وأنت لا تدري ماهي النظرات القديمة أساسًا، ولا زال شعور المرارة يعتريني كلما أتذكر أنني كنت محظوظًا لزيارة المكتبات في المرحلة الجامعية فأتجاوز أصولًا وكتبًا مهمة إلى رفوف دعائية ومبهرة ولا تضيف شيئًا يستحق؛ بل تضرّ سنوات التأسيس ضررًا لا مجال لإزالته بالكلية؛ بل يبقى ملازمًا لك، ويزداد الأمر أسى حين يوافق تسجيلنا الجامعي نقلةً كاملة لإدارة الجامعة والأقسام من كونها فرع إلى جامعة مستقلة، فتقص شريط هذه المرحلة بفوضى شاملة بثت أجواء التوتر في الجميع، وكرّهت الطلاب في صباحها، وخرجت بالكلية عن وظيفة التأثير، وحالت عالةً وكمدا، لا تغفر للطالب زلته، بل تفرح بها، ولا للمتأخر تقصيره، وكيف لا تكون كذلك، وأوّل الأسابيع الجامعية تسمع فيها من "الدكاترة" جملًا من مثل: (أنتم والكراسي سواء) (لا يأتيني أحد في مكتبي، فـ 200 طالب في القاعة كافية للتنكيد) وتهديدات وإهانات لا تنقطع.. ونحو ذلك من المزابل الأكاديمية التي تحسّنت بعد أن جنت وظلمت ونفّرت وحاز القائمون عليها أحمالهم من الظلم والقهر.

فلا يمكن بعد هذا كلّه أن تكون بنية الكلمة لديك، وبناء الجملة، وصياغة الأساليب، بجودة من سبقك بعقدين من التأسيس والبناء، فإنّك وإن عرفت طريقك، وبدأت تتضح معالم اهتماماتك، وتتشكل غاياتك في الأفق، وانطلقت نحوها بتواصل لا انقطاع فيه ستبقى متأخرًا، فكيف بانطلاقٍ تجاهد فيه مسؤوليات العمر بعد فوات الصفحات البيضاء للعقل والروح والوقت في مراحل الطفولية، استحضار هذا جعلني متصالحًا مع (خواطر الاحتجاج) على قدر الله تعالى، مرددًا: قدر الله وما شاء فعل، و: اللهم آجرني في مصيبتي. دون أن يشمل التصالح مع (الجهل) ومواطن (النقص).

هذا السبب الثاني الذي جعلني أكتفي بالنشر في المدونة، فأنا أعتبر نفسي في سنوات التأسيس، وجعلت منها ورشة عمل وتدريب وتطوير في مجال أكثر حرية من وسائل النشر الأخرى، دون أي ضغوط وأحمال من محرر قد يستغرب هذا (المستوى) الذي لا يرتقي لمستواه الذي نشأ عليه وسبقني نحوه بسبب بيئته العلمية وتربيته الموفقّة وتأسيسه المبكر ووجود الموجه العارف والحريص، ومع أنّ الزيارات في تلك المواقع أكبر (فمقالي في الألوكة كمثال، والمنشور حتى هذه اللحظة، كسب 5000 زيارة، وهذا عدد رائع يتجاوز زيارات المقالات في كبرى الصحف الإلكترونية في الخليج)، لكن ضريبته ما ذكرت من تقييد وضغوط، وقد راسلت مرّة إحدى الصحف الإلكترونية المرتبطة بمدينتنا بطلبٍ منهم، فجاءتني رسالة من محرر ما قرر أن أسلوب مقالي (يحتاج لمراجعة) فكدت أن أتقيأ -أعزكم الله- على الشاشة لأن رسالته أعادتني لأجواء (صناديق القراء) التي كانت تخصصها الصحف والمجلات لهم، وتدخل فيها المحسوبيات والواسطات غالبًا، ولا بأس -على أية حال- من تجربة مراسلتها للنشر أحيانًا، فهذه تحلية لا بأس من تذوقها، وتنفخ من شعور الثقة بالنفس حين يجيزون نشرها.

أما السبب الثالث، فهو أنّي قد جعلت المدوّنة مسودة للنشر الورقي، فأنا أعتبر نفسي، وبناء على ما سبق، على طريقة الأستاذ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى، والذي كانت غالب مؤلفاته مقالات مجموعة تحت وصفٍ أو جوهرٍ واحد، وقد جربت البحث والتأليف والجمع في حدود 100-150 صفحة مرات: بحث التخرج من الجامعة (وقد اجتهدت في كتابته وكان عاقبة هذا الجهد أن الدكتور الفاضل شكك في كتابتي له أثناء المناقشة، وكرر ذلك وألحّ عليه، وكان لسان حاله "سأجيزه، ولكن الله حسبك على هذا الغش الذي لم أستطع إثباته!" وأصرّ على تكذيبه رغم الأيمان المغلظة، ولا أخفيكم أنني -رغم حنقي عليه وحزني من تلك المناقشة حينها- قد سررت بعد ذلك، فهو شهادة بجودة ما كتبت في ذلك البحث)، وبحث آخر في مسابقةٍ لبحوث فقهية تابعة للمكتب الدعوي في مدينتي، ولم يكن موفقًا حسب المقيّمين لأسباب أساسية لم أنتبه إليها، والثالث جمعٌ لأحاديث شريفة تحت أبواب فكرية معاصرة أسميته (متن التغريب) وألغيته ولم أنشره رغم الثناء الموثّق بالمراسلة بصيغة الأمر بإتمامه لأحد العلماء المشاهير المتخصصين بعلم الحديث لقلة ثقتي بنفسي في هذا الجانب، لا لسبب آخر، والرابع هو رواية (رهاب)، والذي كانت تحديًا لنفسي على طريقة العقاد الذي ذكر أن سبب طرقه لبعض الفنون التي ألف فيها رغم أن ذلك غير متوقع منه هو رغبته بمعرفة حدوده العقلية، وقد فعلت، وسررت بها كثيرًا، ولا أدري عن رأي الناس بها، وكتاب (يا صبر أيوب) الذي أتممته قبل سنوات، وكان أول كتاب -حسب متابعتي- يأتي بفكرة نشر التغريدات وخواطر الفيسبوك والتدوينات، وكان اسمه الذي أعلنت عنه في 2010م (يا صبر أيوب! تغريدة، خاطرة، وتدوينة) ولم أعرف كيفية نشره، وكنت أظن أنه يجب عليّ القيام -أولًا- بالذهاب للعاصمة وطلب فسحه من الوزارة، وكنت طالبًا جامعيًا، فلم أملك (رفاهية) هذه المراجعة للعاصمة، والتي تستغرق عدة أيام، فركنته جانبًا، وبعد سبع سنوات علمت أن بعض دور النشر -إذا أعجبت بكتابك وقررت نشره- ستتكفل بهذه الواجبات الإدارية المملة نيابة عنك، لكن فات الأوان على نشر الكتاب، وجاء بعده سيلٌ من الكتب الجامعة لنتاج الصفحات الشخصية في مواقع التواصل، فتجاوز الزمن فكرته.

وبعد هذه التجارب، تيقنت أن نَفَسي في الكتابة يقصر عن التأليف، ولعلّ هذا الزعم تلطيف للرضوض والندوب التي تغطي الهمّة، مهما يكن الأمر، لهذا أو ذاك يمّمت وجهي لفن المقالة، وحتى الرواية القصيرة التي نشرتها كانت قصصًا متفرقة لشخصية واحدة يجمعها مضمون واحد في أماكن مختلفة.

ولو جلستُ للتأليف ووُعِدتُ بالجوائز المغرية لذلك لتعسر عليّ (إن لم يكن مستحيلًا) أن أكتب 177 مقالة في 400 صفحة (على أقل حسبة). ولكن كتابتي لها متفرقة، في وقت ممتد، مع استجماع الذهن لتدبيج كل مقالة، وقد خلا البال من ضجيج أفكار المقالات الأخرى، يجعل الأمر يسيرًا، وما أكثر (الأعمال الكاملة) المعاصرة التي تضخمت بسبب هذا الاختيار.

السبب الرابع: أنني مؤمن بأن التدوين لم يأخذ حقه في عالم الانترنت، ولم يُفهم جيدًا، في المحتوى العربي تحديدًا، صحيحٌ أن ما كنا نسميه يومًا (مجتمع التدوين) قد نهض فترة من الزمن (بين 1427-1431هـ | 2006-2010م) لكن نهوض مواقع التواصل اختطف أفراد ذلك المجتمع الجميل، وبلغ الهجر ذروته بعد ذلك بقليل مع اشتعال مواقع التواصل العربية بسبب الأحداث السياسية منذ أواخر 2010م فكان ذلك المسمار الأخير في نعش جمهورية التدوين الثانية (أعتبر موقع جيران هو جمهورية التدوين الأولى للعرب)، وقد كان من عادتنا في ذلك المجتمع أن نضع أسماء المدونات التي نتابعها، مع إحساس بالانتماء، والسمة العامة في أجوائه الهدوء، مع رقيّ وتسامي، مقارنة بالمنتديات التي كانت تجنح للسوء والفوضى وتنحدر للانحطاط والفشل خلا ما اختص منها بمجال معين وركز فيه.

غير أنّ التململ من مواقع التواصل الاجتماعي لأسباب كثيرة: كالتشبع، واختطاف أجوائها العامة من جيوش الكترونية تابعة لجهات متشابكة سياسيًا وفكريًا منذ 1435هـ/2014م، وحملات الـ (spam) التي نكدت على روادها كثيرًا، والمكارثية، والتنمر، والفوضى غير الخلاقة، كل هذه كانت سببًا في هذه العودة لمجتمع التدوين، بالإضافة إلى السهولة والتطور اللذان جريا لمنصات التدوين (blogger) و(wordpress) خلال هذا العقد مقارنة بمجتمعي التدوين السابقين، وتوسع هذه العودة في العالم الحالي 1439هـ/2018م كان ملحوظًا في رأيي، مع ظهور سمات جديدة وافقت تطور المنصات، كالميل للبساطة في تصاميم المدونات، وافتقادنا لبعض السمات القديمة (فلم نعد نرى عمود "مدونات صديقة" أو"مدونات أوصي بها".. إلخ)، كما أن مواقع التواصل صارت هي الوسيط بين المدوّن والقرّاء الأوفياء والجدد، بعكس الأمر في المجتمع القديم حيث كان الوصول للمدونة عبر تفضيلها في المتصفح أو عن طريق مدونة أخرى أو تواقيع المنتديات، ولكنها في العموم عودة محمودة، وأنا سعيدٌ بها، كما أني باستمراري في هذا المجتمع بلا انقطاع طويل خلال عقد الهجران أسعد.

مع العلم أن عالم الفتيات مع التدوين مختلف، فهناك (اكتشاف) من الأجيال الشابة لفتيات الجامعات لعالم المدونات؛ بل ولمدونات بلوجر بالذات، وقد ذهلت من كمّ المدونات اللاتي ينشرن في هذه المنصّة، فجمعت في مفضلتي عددًا كبيرًا من هذه المدونات حتى لم أستطع المتابعة لكثرتها؛ واللاتي بدأن نشاطهن منذ سنة وسنتين.. وقلة قبل ذلك، بل -وكعادة الفتيات في إضفاء الجمال والإتقان- صنعن مجتمعًا للتدوين خاص بهن له صفحة على تويتر باسم (عالم المدوِّنات) بكسر الواو، وكذا رأيت صفحة لمدونة اسمها هيا جمعت فيها المدوّنات بترتيب جميل للغاية،وبلغت -ويالدهشتي- أكثر من ثلاثمئة وخمسين مدونة، ومن فرحتي بوجود هذا العالم دخلت غالب المدونات ورددت عليهن مشجعًا ومحفزًا خشية من انقطاع هذه الشعلة و(الأمل) لعالم التدوين الخليجي والسعودي بشكل خاص، وأما جانب الجمال فقد رأيت قدرات لم أدرك وجودها في منصة بلوجر للتدوين، فغالب مدونات هذه الفتيات أشبه ما تكون باللوحة الفنية لجمالها مع سمات البساطة والتخفف، واهتمامات متنوعة (التربية، الأعمال اليدوية، أساليب الحياة، التربوية، الأدب.. وغير ذلك)، ولا أنكر أنني أحسست بالغيرة من نشاطهن مقابل الجفاف العاطفي الذي يعانيه عالم المدونات الذكوري، بغيت أسمّي مدوّنتي (مدوّنة صلفة) كي أدخل في فهرسة هذه الشبكة الكبيرة، لكن سيتم اكتشافي بالطبع، وسأكون في موقف عنيف مشابه للذي يتعرض له من يكتشف تسلله للأعراس بالعباية.

وقد قررت أن أتأقلم مع هذه العودة بتصميم جديد للمدونة، مناسب لبعض السمات العامة لجمهورية التدوين الثالثة، حيث البساطة، والمساحات البيضاء الطاغية على الصفحة، والاكتفاء بلون أو لونين يميز خطوطها، ولن أنافس بطبيعة الحال تلك اللوحات الجميلة لعالم المدوِّنات (قلنا بكسر الواو!)، غير أني لن أنقطع عن السمة الكلاسيكية التي ميزت الجمهورية الثانية للتدوين، وأعني إرفاق الصور أعلى التدوينات (وهي سمة غير موجودة غالبًا في هذه العودة)، فأنا لا أستطيع أن أمنع نفسي من متعة البحث عن صورة مناسبة للموضوع، فهي من أروع طقوس النشر لديّ (إذا كنت غارقًا في موضة الغيظ من وصف أجزاء الكتابة بالطقوس، لا تفعل، واحلم علينا!)، وأرجو أن يعجبكم المظهر الجديد للمدونة، وإذا لم يعجبكم فلا بأس، فهي مساحات بيضاء على أية حال.

*          *          *

ستلاحظون أنني غيرت اسم المدوّنة من [ مدونة الثائر الأحمر ] إلى [ مدوّنة كِتَاف ]، والكتاف في اللغة: الحبل الذي يُشدّ به، وقد أخذت هذا الاسم مستحضرًا قول الشاعر:

العلم صَيْدٌ والكتابة قيده *** قيّد صيودك بالحبال الموثقة

أعتبر أن اسم الثائر الأحمر (الذي كان اقتراحًا جميلًا من أحد مشاهير المنتديات وقتها، ولا أعتقد أنه يرغب بذكر اسمه) قد أخذ حقّه من نفسي، وصار باهتًا، ولم يعد له معنى، وقد حان وقت ركنه إلى التقاعد مع الذكر الطيب، كما أنني أخالف -باستمراري في ربط المدونة بعنوانٍ غير اسمي الصريح- ميزةً من مزايا الجمهورية الثالثة، وهي عنونة المدونات بأسماء كتابها دون ألقاب أو رموز، كأن يكون مسمى مدونتي (مدونة راكان عارف). لأنني أرى أن في هذا تخليًا عن روعةٍ مجانيةٍ موجودة بين يديك، فما الداعي لهذا التخلي؟! لديك فرصة بتسمية مدونتك اسمًا جميلًا رنانًا لا ينسى، ومن ثم تستطيع أن تربط اسمك الصريح بها، فلماذا ندع هذه الميزة الجميلة؟!

وقد حجزت رابطًا جديدًا للمدونة بعنوان rakan.blog لكنه للأسف لن يتوفر قبل شهرين من كتابة هذه المقالة.. وإلى ذلك الوقت سيبقى رابط المدونة rebel-b.com أثرًا باقيًا من هذا العقد.. وتلك الثورة الحمراء.

وأترككم مع متحف الصور المؤرخ لتصميمات المدونة:

البنرات المتعددة للمدونة








تصميم المدونة 1432/1430 - 2011/2009
في تلك الفترة وقبلها بثلاث سنوات كانت الألوان طاغية على صفحات المدونات، والروابط كثيرة ومتنوعة.



تصميم المدونة 1436/1432 - 2015/2011
وبدأ البياض في هذه المرحلة يطغى على المدونات (وأنا لست المقياس بل أتتبع الموضات المنتشرة وقتها) مع بقاء طرق التقسيم وانتشار الروابط كما هي.



تصميم المدونة 1439/1436 - 2018/2015
وفي تلك الفترة بدأ التبسيط والتخفف يغزو المواقع والمدونات الأجنبية.. فتأثرت بها في هذا التصميم.




الخميس، 16 أغسطس 2018



   أتممت قبيل كتابتي لهذا المقال إلغاء بعض الشخصيات التي ظننت لمدة طويلة أنها ستضيف لي قيمة ما لتقارب اهتماماتنا، بعضهم من مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي، وآخرون أقل شهرة، وفي طريقهم إليها، وقد وقفت قبيل مجزرة الإلغاء التي قمت بها وقفةً فرضها شعورٌ غامرٌ بأن أمرًا ما غير مريح يجري معي بسببهم، يجعلني أكثر إحساسًا بالتفاهة، وشعورًا بالجوع الدائم نحو طموح غامض، وعدم الاستفادة مع عِظم الفوائد التي يُلقونها.

   لقد دخلت مرحلة استعرت فيها مصطلح (الهدم الخلّاق) الإداري في تعاملي مع مواقع التواصل، فأستبعد أنماط المتابعة القديمة، وأستبدلها بأنماط مفيدة، أو لا أستبدلها، فقد تملّكني إحساس في الأشهر الأخيرة بأنّني لم أجد الطريقة المناسبة للاستفادة من مواقع التواصل الاجتماعي، وبدأت أتساءل عن صواب جعل (التعلّم) غاية فيها، بعيدًا عن الإشكالية الشهيرة: الإدمان وطول الوقت في تصفحها. لا، إنما أعني أنني لم أستقر على استخدام نافع لها، سواء أدمنته أم اعتدلت فيه، بل أراها تسببت بأذى أدركت بعض أثره في تلاشي الشغف، وندرة الإنتاجية في المجال الذي أهواه، وإحباط عام.

   والأثر النفسي لا يهبط من السماء؛ بل له أسباب سيدركها الإنسان إمّا لوقوفه للمحاسبة والتأمل، أو لأنه نضج فانتبه ذات موقفٍ ووعي، ولم يكن لينتبه قبل ذلك، فللزمان دوره هنا.

   وكان أن وقفت مرّة لأسأل نفسي عن سبب شعوري بالضيق بعد مدة من متابعة الحسابات المهتمة بالحقول التي أحبها؟ لماذا صار أثر متابعتي لها مضادًا لما كنت أرجوه منها؟!

   وقد ظفرت في هذه الوقفة ببعض إجاباتٍ كشفت الآثار التي عانيت منها تدريجيًا أثناء المتابعة.

   فمنها على سبيل المثال: التذكير بالرائع.. الذي لم تكن مهتمًا به.

   هذه إحدى السلبيات التي أثارت شعور الإحباط لديّ، بعد أن أدخلتني حينًا في دوامة من الفوضى والتخبط.

   إنّ لك اهتمامًا بالنثر الأدبي، وبالفكر، فتقوم بمتابعة مثقفٍ لديه ذات الاهتمام، مع توسّع نحو اهتمامات أخرى كالفلسفة، والشعر، والتفسير، وبعض العلوم الطبيعية الجذابة، فيصير هذا التوسّع منه مشتتًا لاهتماماتك الأساسية التي تابعته من أجلها، ويفتك بقدرة التركيز عندك عبر تسويقه الجذّاب والنابع من اهتمام عميق وصادق بتلك الفنون، ومع ديمومة عرضه، سيذكرك بما فات من روائعها، ويبهرك بأفكارها الأساسية، فيكون أثر ذلك فيك تحسرًا على ما فاتك منها، أو يجرّك إلى تفاصيل تلك الأفكار لتصير أمام هذا الفنّ الذي لم تطرقه قبل ذلك كطفلٍ في مرحلة الحضانة يتعلّم ألف باء اللغة، فتبحث في الكيفيات، وتغرق في أخطاء البدايات، لتنسى مشيتك.. وتضيع في مشي الآخرين، وتغفل عن حالتك الخاصة وتغادر ميادينك لتتفوق على مواهبهم وحالاتهم.

   بل ربما يكون هذا التذكير الرائع واقعًا في نطاق اهتمامك بعيدًا عن مسارك فيه، فهو -وهذا أثرٌ آخر- يذكّرك بمؤلفات تفتقدها خزائنك، ويكون تجميعهم لعناوين التخصص الذي تهواه مختلف عنك، لاختلاف طرق دراستهم له، فيعملون -في ذائقتك التي تطمئنّ لها وتجربتك المستقرّة- عمل كرة البولينغ بالأجسام الخشبية المستهدفة، فمكتبتك رُتبت بناء على ما صرفته لها من قدرة مادية، ومن زهرة عمرك، ومن إدراكٍ متراكم بحدودك وقدراتك، وما ارتحت له من أساليب القراءة والحفظ والمراجعة، قد نظّمته بصوابك وأخطائك ومئات الزيارات والجولات الهادئة الموفقة.. وغير الموفقة في المكتبات، وأنت بعدُ مستغرق في قراءة ما حزته قديمًا، ومتحفزٌ للوثوب على بقيتها، وحاشدٌ قواك وتركيزك لهذا الهدف، فيحرمك تسويقهم الجذاب، وإبهار ديكوراتهم المكتبية، وروعة المتاجر التي يوثقون ما (صدر حديثًا) فيها، ليعرضوه لك بعد أن ألقيت كتابك لتتابع مستجداتهم- عن هذا التجرّد الذي كنت منعمًا به، ويكون لسان حالهم وإن لم يقصدوه: إنّ كلّ ما اقتنيته لا شيء مقارنة بهذه المؤلفات الرائعة التي يصعب أن تجدها قربك، فعليك أن تقتطع زمنًا غاليًا لتتبّعها، مع بذل أموالٍ أكثر لتهنأ بالحصول عليها.. أخيرًا، فضلًا عن جديد المؤلفات النفيسة في تخصصك، والذي لم تكن تعلم عنها شيئًا، وتبدو كتبك المصفوفة قريبًا منك مهترئة لا قيمة لها مقارنة بما نقتنيه ونعلن عنه كل يوم.

   إن تلك الدقائق (وربما الساعات) الخاشعة التي تتجمهر فيها حواسك لقراءة سلسلة تغريدات، أو متابعة سنابات، تنتقل فيها من أصولي يجذبك لموازين الاستنباط، إلى فيلسوف تغريك اقتباساته بسياط العدميين، لأديب يذيبك بالأساليب الظريفة للروائيين.. إلخ- لا تليق إلا أمام كتاب، أو معلّم وشيخ، لا أمام أقوامٍ يجرّبون عليك فضول ظنونهم، ولا يعرفون طبيعة من يتابعهم، ويعتبرون هذا النشاط فصلًا تدريبيًا في سيرهم الذاتية، فحينًا يخاطبون المبتدئ، وحينًا يخاطبون ألدّ الأعداء، وتارةً يبثّون لك ما يظنونه صوابًا، ويشركونك في هذا الظن، فإذا هو من سقطات أعمارهم، وحياتك بالكاد تحتمل اجتهاداتك الخاطئة في التعلّم، فكيف باجتهادات الغير من القرناء، أو من يصغرونك بالعمر والإدراك وغشّوك بجمال أساليبهم، أو من يكبرونك وقد امتدت جذور عقولهم في أعماق ما تأسسوا عليه فلم يروا بأسًا في الخواطر الفوضوية، وأحاطوك بتلك "الوثوقية" العالية التي تفرض نفسها على النفوس، وتعمل في الناس عمل التنويم المغناطيسي.. حتى زمن الاستيعاب وزوال هالتها وإدراك المصائب التي خلفتها هذه المرحلة.

   وإلى ذلك اليوم الذي تستوعب فيه حقيقة ما يجري، ستصرف المزيد من الوقت الثمين حتى يأتي؛ فتدرك أن هذه المتابعات تنحدر بك، وتزداد سرعة انحدارها مع الأيام، وإن ارتفعت حينًا ارتفاعًا شكليًا، فهو ارتفاعٌ مؤقتٌ ضمن انحدار عام.. تمامًا كالتاريخ، وكما ذكرت بداية المقال، ستشعر بجوعٍ لا تدري ما يشبعه، ستقف مرتبكًا، ويسقط ذهنك في وهدة الجوع (والجوع يُرضي الأسودَ بالجيف) وستجد نفسك تتخبط بين مئات المعلومات التي تدهشك متفرقة، لكنها بمجموعها هراء، لا تمنحك قيمة، وإنما لذّة اللحظة.. ثمّ إلى النسيان.

   إن لوسائل التواصل غايات أكثر نفعًا وأقل ضررًا من جعلها منبعًا آخر للتعلّم، فهي للبثّ والدردشة العفوية والتعارف، وما ينشره الناس فيها يصلح للمصادفة أثناء بحث عن موضوع تهتم به، وليس للتتبع الدائم وانتظار إطلالات الفوائد المهمة بين آلاف المتاهات، ومن أمثلة المصادفة التي ذكرتها أنني كنت أتابع أحد القرّاء الذين يطرقون مواضيع ثقافية متنوعة عبر تطبيق (سنابشات)، وأدركت أنها لم تفدني بمجموعها كما بيّنت في الفقرة الماضية، فألغيت متابعته، وأنهيت منذ أيام كتابًا ما، فأحببت بعد إنهائه أن أبحث في المراجعات التي تطرقت له، فوجدت أثناء البحث مقطعًا في موقع (يوتيوب) موضوعه الكتاب الذي قرأته، ففوجئت أن المتكلم هو صاحبي الذي ألغيت متابعته، وقد أنشأ القناة لحفظ مقاطعه التي ينشرها في (سنابشات)، فكان مقطعه الطويل أعظم فائدة لي من كل متابعاتي السابقة له ولأمثاله في التطبيق؛ لأنه ارتبط بنشاطي الخاص، وتتبعي لمصادر الموضوع الذي أبحث فيه انطلاقًا من اهتمامي المركّز، لا انتظارًا عامًا مشتِّتًا في الصفحات الرئيسية لمواقع التواصل علّني أصادف أثناءه المعلومات التي تفيدني من بين آلاف الشجارات والخواطر والمعلومات العامة والأخبار السياسية وأذواق الغير، بلا طائل، سواء وقعت عليها أم لم أقع.

   وأرى أن من أعظم الناس نفعًا لي في هذه المواقع، من كانت شخصيته هي الأبرز حضورًا في كتاباته، فترى في حديثه ودردشته ونقاشه وغضبه خليطًا من مجموع حياته بأعماقها النفسية وعواملها الاجتماعية وأبعادها المعرفية بلا تماهي أو ذوبان في المظاهر الجمعيّة أو التزييف بالادعاءات أدبيّة، فأرى هذا المزيج أثناء حديثه عن كتاب، أو تصويره للهوه مع أصحابه، أو في شاجراته الفكرية أو السياسية أو حتى الرياضية مع الغير، أو فيما يبثّه من سوداوية وملل ومفردات بغيضة.

   أمّا الدعايات المشتتة والمدسوسة، والأوعية الناقلة، فاقصد يا صاحبي بحور الكتب ومصادرك الأصيلة واختياراتك المتراكمة وعناء تجاربك.. وخلّ القنوات.


الأحد، 15 يوليو 2018


    أعجب كثيرًا حين يضع الناس (هامشًا) لحديث الفنانين والمشاهير، تمامًا كتهميش طلبة العلوم لمتون علومهم، يصرح التافهون ضد بعضهم ويهمز بعضهم بعضًا، ثم ترى بعض الشباب والشابات وربما بعض الكهول يتنقلون من تطبيق لتطبيق لمعرفة هوامش الشجار وشروحات اللمز.. لأيام وشهور. 

    (هو بدأ حين لمّح لكذا في كواليس مسرحيتهم، أتابعتم شجارهم في البرنامج؟ لها حق في أن تشتكي عليه وترفع قضية تشهير.. إذا ركزت على وجهه تجده تغير في الدقيقة كذا.. بينهم عقد ملزم.. إلخ). 

    وبعض الشجارات استمر الجدل حولها لسنوات، وخلقت خلالها وجوه، ورحلت وجوه، وهرمت وجوه. 

    قبل سنوات قرأت تغريدات يشرح فيها كاتبها قصّة خلافٍ ما.. بين المطربين فريد الأطرش وعبدالحليم حافظ، والقصة أن عبدالحليم حافظ، الشاب الصاعد، أحدث إشكالًا لدى جماهير الأطرش، ثم وضع كاتب التغريدة فيديو يبدو أنه للقاء صلح بينهما، وأوصانا كاتب التغريدة أن نتأمل ونركز على ملامح التوتر بينهما ولغة العيون.. حتى أثناء الصلح؛ لأن القلوب لم تتطهر تمامًا. 

    (وترى كان جمهور الأول يتعمد حضور حفل الثاني وتخريبه.. إلخ) وقضية طويلة عريضة مات مطربوها وجمهور وقتهم.. وبقي الجدل الفارغ. 

    هذا الوقت كالحلم، فإذا ملأته بما ينفعك لم يعد لهذا التشبيه معنى؛ لأنك ألغيت معناه بانتفاع حقيقي في دينك ودنياك، فلم يعد حلما بعد اليوم بل إنجاز متحقق ترى أثره في حاضرك. 

    في الوقت الذي كانت تتشاجر فيه أجيالٌ في المنتديات حول من يستحق لقب فنان العرب، صرف آخرون وقتهم فيما ينفعهم، وهم اليوم قياديون (نراهم رأي العين، ونعرف بداياتهم، ونذكر انشغالهم بعيدًا عن ضجيج التوافه، ونستحضر تجاربهم البسيطة، بأخطائها وصوابها) في المجالات التي بذلوا لها، من مفكرين، وأدباء، وسياسيين، وتقنيين، وتجار.. إلخ، وكان وقتهم في الانترنت أساس انطلاق للنجاح والنفع العام، أو للرضى عن النفس على الأقل مع شرف المحاولة.. وإن لم يكتمل النجاح أو لم يتم. 

    ولك أن تبحث تحت عناوين الفنون المختلفة والعلوم المتفرقة عما بقي من منتديات، لترى أرشيف الانتفاع والتلمذة والتعلم والأسئلة باقٍ وشاهدٍ على الأوقات الذهبية التي بذلها أذكياء الجيل فيما يرفعهم ويعلي شأنهم، ثم لك أن تفتش في أطلال ما تبقى من منتديات التوافه وإحراق الوقت في الـ (whatever) كما يعبر الضَّجِر منهم؛ لتبصر الأرشيف شاهدًا على ثقوب سوداء ابتلعت أوقاتًا هي أثمن من كل كنوز الدنيا، ولفظتهم إلى العدم، قد تورطوا بأوقاتهم بعدما ملّوا تلك الألعاب فضاعوا في هامش الفراغ. 

    أتعمد أن أسأل طلابي في المرحلة الثانوية بداية كل سنة السؤال التالي: ماذا حملت معك من المرحلة الابتدائية والمتوسطة، غير التجارب والمعلومات الأساسية التي يشترك فيها كل البشر؟ 

    وأفرح كثيرًا إذا وجدت من يجيب: حملت معي كذا جزء من القرآن، وحملت معي اللغة الإنجليزية، وتمكنت من برنامج الفوتوشوب، وقرأت روايات نوبل، ونفعت في الجانب الفلاني.. إلخ. 

    أفرح لأن هذه الإجابات تنبّه بقيّة زملائهم على عظيم ما فاتهم من تلك المراحل، فقد ولّت بحلوها ومرها، وبقي لزملائهم ما ينفعهم بحق، فمن تعلم الإنجليزية فتح لنفسه عالمًا واسعًا للغاية، ومن حفظ القرآن ارتقى دنيا ودين، ومن أتقن التصميم فتح باب رزقٍ ومتعة لنفسه، ومن أنهى كتبًا معينة علمت أنه أذهب عن نفسه وسواس (هيبة) القراءة و(صعوبتها) الذي منع البشر من خيرها ومتعتها.. إلخ، ومن احتسب الأوقات التي صرفها على هذه الأمور كلها، حتى المباح النافع الدنيوي منها، فهذا شأن آخر من الأجر العظيم والخير العميم. 

    وحديثي هنا عمّن يصرف ذروة وقته أو غالبه في هذا العدم، أما من حفظ وقته وأوقف بعضه أو غالبه على ما ينفعه، ثم صرف ما تبقى على المناسب من الملهيات، أو حتى التافه المباح منها، فغير داخل بمن أعنيهم. 

    وقد قبضنا ثمن التجربة في الحالين، فذقنا حلاوة الأيام التي انتفعنا منها بالكد والسهر، وتكمن حلاوتها فيما حملناه من آثارها علينا إلى اليوم، من علمٍ أو عادة طيبة اكتسبناها بمجاهدة تلك الفترة.. وغير ذلك، وأحسسنا بمرارة أيامٍ ركنّا فيها إلى الخمول والتوافه فصُرفت ثوانيها إلى العدم، وتكمن مرارتها في أنه لم يبق منها إلا إدراك العقل بحتمية مرورنا بها دون انتفاع أو -على الأقل- تذكرٍ لمواقف ذلك العام أو تلك المرحلة. 

    وقد صادفت مرات في مواقع التواصل بعض محرري صفحات الفن في التسعينات وبرامجها، أيام ما كان سوق المجلات والصحف والبرامج الفنية رائجًا في ذلك العقد، فوجدتهم قد صاروا كهولًا ومسنين، وذهبت حدّة تلك الأيام وأخبارها، وتحولت لـ (هواجيس) تخرج منهم كإفرازات لا يملكون منعها، ولا زالوا يحللون ملامح الفنانين، ونبرات أصواتهم، وبدايات الخلاف (الحقيقية) بينهم، ويفتخرون بعلمهم عن كواليس ما يجري كما يفتخر المحلل السياسي بمعلومة من داخل مطبخ السياسة في بلده. 

    وليس الخبر كالمعاينة، فدعك من أخبارهم، ولا تعاين خصوماتهم، واستبدل الذي هو خيرٌ من حيازة واكتسابٍ بالذي هو أدنى من أقوال التافهين وأفعالهم، ولا تهبط إلى ما هبطوا إليه.. ولا تبلغ أمصارهم، فهي نائية عن حدود الأخلاق والنفع، وإلا سيضرب على مستقبلك ذلة الجهل، وعلى كهولتك مسكنة التفاهة.

.

الخميس، 12 يوليو 2018

طفل فقير يلعب

شاهدت في يوتيوب مقطعًا بعنوانٍ كوميدي، في قناةٍ كوميدية، بكلمات دلاليةٍ تصنفه ككوميديا، لسائق أُجرة مسنّ في بلد عربي أوصل راكبًا خليجيًا (كان يصور الموقف بالجوال)، فلما توقف قال الراكب: بكم؟ فرد السائق: (خليه علينا)، فتظارف الراكب ونزل متظاهرًا بتصديق مجاملته، ليمسكه السائق غاضبًا، فضحك الراكب وقال ساخرًا: رجعت في كلامك؟! 

السبت، 24 فبراير 2018



   من كوميديا زماننا رد فعل الناس على متوالية التطور التي تؤمن نخب وشعوب في عصرنا على حتمية تسلسلها. 

   طبيعة القرن الماضي وشيء من مظاهر القرن السابق له جعلت الإنسان متيقنًا كل اليقين بأن العالم يتقدم ويتطور في كل المجالات، بلا عودة للوراء، ووافق ذلك تعلق البشرية بنظريات تُنسب للعلم وتدعم هذه النظرة للحياة، وصار الخيال، حتى الخيال، منساقًا لهذه الحالة. 

   (غدًا يجدون علاجًا للسرطان.. سنرى الإيدز يصير كالتهاب الحلق.. سنسكن المريخ.. سنعيش في مدن تحت الماء.. سيتكتل العالم إلى تحالفات موحدة.. وداعًا أيها القابعون في الماضي) ملايين التوقعات لا تخرج عن الإيمان بحتمية التطور الجيد للأعلى.. للأمام.. نحو الفردوس الأرضي، ومحاولة (اكتشاف) قانون التطور ومعادلته، وأقول (اكتشاف) لأنهم يرون أنه موجود حتمًا.

    يصف ستيفان تسفايج في مذكراته (عالم الأمس) هذه النظرة قائلًا: «إن الثقة البالغة بأننا قد حصنّا كل الثغور التي قد يهاجمنا منها القدر قد انطوت على غرور خطر، فالمثالية الليبرالية في القرن التاسع عشر قد أقنعت الناس بأنهم ماضون في طريقٍ مستقيم مطّرد إلى أفضل العوالم. أما العصور السابقة التي شهدت حروبًا ومجاعات وثورات فقد استُنكرت كأزمنةٍ كان البشر فيها مفتقرين إلى النضج والتنوير، والآن لم يبق إلا بضعة عقود من الزمن حتى يزول آخر أثر للشرّ والعنف».

   فإذا حصل أمر ما يصادم هذه النظرة، فغرت الأفواه وعمّ التوتر وانتشرت علامات الاستفهام وبدت ملامح القلق والدهشة مما يجري، ولسان الحال: (لم نتفق على ذلك أيها الكون!!). 

   من ذلك، في عالم السياسة، ما جرى بعد انتهاء ولاية أوباما، وصول أوباما للرئاسة كان بالنسبة للشعب الأمريكي، والمستغرقين في هذا النموذج من الشعوب الأخرى، حدثًا داعمًا لهذه المسيرة التطورية، وقد رأينا احتفالات فوزه في ولايته الأولى، وشتائم المستغرقين في نموذج الأقوى لبلدانهم وشعوبهم التي تخلفت عن هذا المشهد الحضاري، لقد حكم أمريكا رجل أسود، إذن.. لنستعرض تاريخ كفاحهم ومن تعاطف معهم من الأحرار، وليمضي بنا التطور الحتمي لتحكمنا امرأة بعد ذلك، فكان من سخرية الزمان أن تخسر امرأة شر خسارة وأذلّها أمام نموذج يرونه -حسب مبادئهم التي يرفعونها- متعصبًا ودنيئًا استخدم أكثر الأفكار عنصرية -متجهًا بهم عكس سير التاريخ كما عبّدوا طريقه في أذهانهم- للتسويق لنفسه.. وبنى انتصاره على أنقاضِ صرحٍ من خيال بناه غرور الإنسان المعاصر.

   وكانت بعض أنقاض هذا الصرح قد هُدّت في وقتٍ قريب حين خرجت بريطانيا مبدئيًا من الاتحاد الأوروبي، وقد عايشنا ذهول الناس في تلك المرحلة مما يجري، ووقتها انتبهت لرسوخ هذه الفكرة عن تسلسل العالم نحو الأفضل والأكثر تطورًا في أذهان العالم، فأتى هذا الحدث الأوروبي ليبعثر الترتيب المثالي لسيناريوهات التقدم، لم يكن مفترضًا أن يحصل هذا ولا في أسوأ الكوابيس، وقد كان المحللون يستعينون بمثال الاتحاد الأوروبي في اقتباس النموذج الأمثل لحتمية ما سيكون عليه شكل العالم الاقتصادي والسياسي، وأن الدولة التي لا تدخل في كيان اتحادي اقتصادي وسياسي مع دول أخرى مقيّدة إلى القرن الماضي، وسيتجاوزها التاريخ، وتتخطاها الشعوب. 

   ثم رأينا ذهول العالم من اتجاه شعوب "العالم الحر!" لانتخاب المتعصبين وأحزابهم، بعد أن أعلن العالم بشكل غير مباشر التصدي لهذا الذنْب بعد هلاك هتلر، لم تصل الأمور لمستوى المناحة ودرجة التشاؤم اللتان برزتا في كتابات المحللين، لكنها بداية أمر ما بلا شك، وهذا الأمر ليس على طريق التطور المفترض في خلد إنسان العصر الحديث، ودرجة التشاؤم وصلت إلى توقّع متابعة العالم الحرّ للنموذج الصيني في مسألة الحزب الواحد.. مع المرونة الاقتصادية، وكل شيء محتمل في هذا العالم المجنون الذي لم يترك يومًا الأفكار والأديان المنحرفة والمتعصبة، لكنّه تمكيج بشعارات مختلفة تؤجل الصراعات الحتمية، وتخفي النوايا المظلمة في أي معركة عصرية، وكان دور تلك الشعارات هو وصول المؤمنين بالأفكار والأديان التي زعم العالم محاربتها عبر أفيون (العصر الحديث) من شعارات قومية وأفكار ثورية وأنظمة رأسمالية، وكل يومٍ نرى اندهاش العالم من تلاشي المكياج شيئًا فشيئًا لتظهر الملامح القديمة للمتعصبين، ولا يزال الزمان يحمل أخبار السوء وسياط الحقيقة للواهمين بعصرٍ إنساني وردي مزدهر يترك وراءه صراعات الماضي، ممن يظنون أن اجتماع صيني وروسي وأوروبي وأمريكي في مختبر أو محطة فضائية يفترض أن تقطع الحاضر والمستقبل عن التاريخ والانتماء ونواميس الكون والحياة.. ياللوهم!

   ومن عالم السياسة إلى التقنية والانترنت.. فمن حتميات تطورها التي تواتر عليها أهلها في مجال التصميم والمواقع: التبسيط. كانت المواقع تتزخرف لزائرها في كل زاوية من زوايا الصفحة، وكانت الأيقونات صورًا كتابية أو رسومًا، فأُعلن أن عالم الشبكة يتجه للتبسيط بلا رجعة، ومن بقي على ديكورات ذاك الزمن تجاوزه الناس ولاموه وزجروه، فاكتفت المواقع بكثير من البياض ونصوصًا مبسطة تنتقل بك إلى صفحات أخرى أو يحدث الانتقال ضمن الصفحة الأساسية، لكن السنوات الأخيرة بدت تخون هذا العهد في التطور بعد تحديثات المواقع وجديد التطبيقات التي أعادت الزخرفة والتعقيد والفوضوية، وما الضجة التي صاحبت تحديثات فيسبوك المتعاقبة قبل سنوات ومن ثم سناب شات في الفترة الماضية وغيرها إلا مثال على أنّ السيناريو المتجذر في نفس إنسان هذا القرن والقرن الماضي عن حتمية تطور الأمور للأفضل.. ليس موجودًا في الواقع، وإنما فكرة جُمعت أحداث السنوات الماضية كدليل على صدقها، وكانت تلك السنوات وفيّة بحق لهذه الفكرة، لكن نقضها يحتاج لمزيد من الوقت حتى يدرك الناس أن السنوات الماضية كسنوات الشباب التي تجعل صاحبها لا يتخيل أنه سيتقدم في السن، وكسنوات الصحّة التي تحرمك من تصوّر المرض، فضلًا عن تمكنه منك يومًا ما، وكالحيّ الذي يرى الموت يتخطف الكائنات من حوله.. وهو الناجي الوحيد.. "دائمًا!"، فيُحسن -في غيبة وعيه- الظنّ بالحياة.. والموت. 

   وقد أحسن "مستهلكو" الشبكة الظن بهذا العالم الجديد حتى رأوا انتقال نجوم اليوتيوب إلى عالم التلفاز، وتبعثر أشهر كتاب المنتديات في الصحف، نعم.. انتقلوا من المستقبل إلى الماضي، ومن العصر الجديد.. إلى العصر البائد (كما هو مفترض!) فبدأت تظهر بعض التساؤلات منهم، والشماتة من رواد الصناعة القديمة، وكذا الأمر مع الكتب التي كان يفترض أن تزول، ولكن رأينا معارض الكتاب تزدهر، والمؤلفين الذين يصدرون أسفارهم في الكتب الورقية يزدادون، ودور النشر الفتية تنتشر، إذا غضضنا الطرف عن موضوع الجودة. 

   ولا شكّ عندي أن السنوات القليلة القادمة ستشهد تطورات مثيرة تصادم الحريّات التي عاش فيها رواد الانترنت خلال عقدين، وستتجه هذه التطورات للمزيد من القيود، وقد بدت بعض ملامحها في أنشطة وندوات وإعلان نوايا، بالإضافة إلى بعض القرارات الأمنية المرتبطة بعناوين التشهير ومداهمات الحقوق الفكرية ومطاردات ملاكها، ولعلّ الأحداث في هذا الجانب ستكون أشدّ ضراوة في الزمان القريب كسرًا لحتمية التطور في النفوس، ولنتذكر كيف كان تويتر وفيسبوك أركانًا يأوي إليها الناس ويعيّرون عبرها زمن الإعلام الواحد، وأعلنوا افتتاح مرحلةٍ جديدة أكثر حرية وسلطة للإنسان، وطبعًا.. مع استحضار أنها لبنة أخرى في بناء التطوّر العام، وكذا في مجانية الحصول على الخدمات والمنتجات عبر الانترنت بلا رقابة، لكن تأقلمت سلطات العالم مع هذه المرحلة الجديدة.. ولا زالت تتأقلم وتُؤقلم إدارات هذه المواقع معها، لتظهر ذات ملامح الشّدَهِ والحيرة في نفوس الناس، فمنهم من تصبّر.. ومنهم من ودّع هذا العالم متشائمًا ومحبطًا بعد سنوات ظنّ فيها أن مراحل الحرية تلك ستأتي بالمزيد من الحريات.. كسطرٍ في قصّة التطور المعاصر.

   حتى في عالم الألعاب الإلكترونية، على عدم جديته، إلا أنه حصل تصادم ذوقي غريب جدًا مع سيناريو التطور المفترض، وهو التقدم لأجهزة أكثر تطورًا، وألعاب أكثر جمالًا وروعة.. وسيمضي العالم مع هذا التطور بكل سرور، حتى أنك لن تفرق واقعك عن لعبك. 

   ثم تأتيك لعبة بسيطة مثل ماين كرافت، تُظهر لك البكسلات الضخمة والمضلّعات القليلة والمدببة بكل وقاحة الدنيا، لتبرز تلك الملامح مرّة أخرى على الأجيال التي تابعت تطورات هذا العالم منذ الثمانينات وحتى اختفت تلك المربعات من الرؤية الواضحة وازدادت دقة وبهرجة، ومع ذلك تنصرف الأجيال الجديدة وبعض من خونة الأجيال الماضية عن تطورات هذا العالم ويتتبعون هذه اللعبة المنتمية فنيًا لعقود مضت ساخرين من سيناريو التقدم. 

   ومثل هذا التصادم الذوقي الغريب مع نموذج التطور نجده عند الذين يظهرون امتعاضهم من تطورات الألعاب الجماعية ذات الأفكار الخلابة والجمال في التصميم والتي انتهت إلى ألعاب تُظهر لك الحد الأدنى من الذوق الظاهر، ولك أن تقارن ألواح الرِّسك والمونوبولي وسلّم الأفعى، وتقاطيع أحجارها الجميلة، وبطاقاتها المتنوعة، بلوح "الشيش" الباهت، وخطواته البسيطة، ودبابيسه المكتبية. 

   وكذا الأمر مع الأجهزة الذكية وعودة ألعاب البعد الثاني بكل قوة عبرها، وتهديد عرش أجهزة الألعاب ليجعل هذا العالم الواسع مجرد ميزة جانبية وتطبيقًا آخر في جهاز جوّال! 

*          *          *

   إن فكرة التطوّر راسخة في خلد الإنسان المعاصر، لدرجة أن أحداث نهاية العالم التي يتوقعونها ويصورونها في رواياتهم وتحليلاتهم وشاشاتهم، وترى فيها العالم مدمرًا وفي فوضى، لا تخلو من التطور العظيم في الأسلحة والعلاج والسكن واللباس.. حتى في ظلّ توحش العالم! 

   فجاءت هذه الصدمات لتذهل الإنسان، والذهول يعقبه -عند الموفّقين- تأمّل ومراجعة، فقد عمّ الغرور إنسان الباطل فأمات الإله والأخلاق وهدم بيوت الطين على ما احتضنته، وكذا بعض أهل الحق، الذين جعلوا كلّ عَقدٍ من زمانهم أرضية لإسقاط قمم الحق والنصر.. عليه، ورأوا أنّ هذا التطور يجهّز لهم العلامات الكبرى، فعيسى عليه السلام، والمهدي، والخلافة على هدي النبوة، كانت تنتظر ولادتهم، وسنن الابتلاء والامتحان ستكون خفيفة عليهم، وربما يُستثنون منها، فسيعملون بطمأنينةٍ توصلهم إلى النصر القريب جدًا.. بسكينة.

   إنّ العالم متجّه للرخص في الذوق، ونقص الذكاء العام، ما نتج عنه إنقاص مستويات النجاح التعليمي ولو بالتحايل كي تمضي هذه الأجيال إلى سوق العمل وتنال ضريبة ما يجري، وزادت سرعة هذا (اللاتجاه!) منذ 2007 حين ارتفعت سرعات النت في العالم.. وتغيّرت بنية المواقع والانترنت ووسائل وصوله للناس.. وظهرت الأجهزة الذكية وتطبيقاتها، وبدت آثار العزلة معها في الأجيال الفتية.

   قديمًا، كان يعد البرامج التلفزيونية المخصصة للصغار والمراهقين فريق عمل من الراشدين، حتى لو كان هذا العمل تافهًا في أصله وعليه محاذير وملاحظات شرعية وتربوية، لكنه على أيّة حال عمل يديره فريق عليهم مدير ويتواجدون في مقرات حكومية تكره (وجع الرأس) وأي ضجيج حول برامجها، فإن لم يدفعهم المبدأ، دفعهم لتحقيق بعض الأهداف الجيدة ابتغاء رضى الناس، واليوم ترى طفلًا، يفتح البث المباشر بضغطة زر، دون أن يقدح في ذهنه أي شيء حال ضغطه للزر، عقله الصغير ومستواه التعليمي وطبيعة العمر كلها لا تؤهله لجلسة التفكير الإبداعي المستحضرة لأي أهداف وغايات نبيلة، أو حتى غير نبيلة، إنما هي الغريزة، المشابهة لغريزة الحيوان، لكن مع هذا يتابعه (يوميًا) ملايين الأطفال يضيعون من وقتهم معه ساعتين إلى أربع ساعات، هو ذروة يومهم، كان يفترض أن يكسبوا فيه أمورًا ضرورية للغاية (لا مجرد فضول مهارات أو معارف)، بل أمور مرتبطة بعناوين لا غنى عن إدراكها في حياتهم (الخطأ، الصواب، الضرر، الخطر، الإنسانية.. إلخ)  والنتيجة جيل تنقصه الأساسات لا فضول المعارف، (مهني) شهادته الدراسية لا تثق بها المؤسسات؛ ولا تدل إلا على كونه قد تعدى سن 18 سنة.. وإذا احتاج وظيفة يكفيه الحدّ الأدنى من الحضور العقلي ليعرف أين يتجه وكيف يدير الشيء وينهيه.. برتم ينفع لفئران التجارب وقرود المعامل!

   كنت أستهزئ في طفولتي ومراهقتي من أصحاب الفنون الحديثة التي تمرّ علي في بعض الوثائقيات، حين أراهم يضعون كيس نفايات ممزق فوقه منديل،، أو يرمون في زاوية من زوايا المتحف قلم مكسور وحبره ينزف بجوار قطع من البطاطس، ثم يظهرون بوقاحة (كما كنت أحكم عليهم) ليقولوا أن (تحفهم) الفنية تعبّر عن المعاني الفوضوية والسائلة التي سلك العالم طريقه نحوها، ولا أدري أكانوا يتصورون ما نراه، أم أنها مصادفة، لكنهم صدقوا في رؤيتهم، وكان فنهم معبرًا عن هذه (الدُوَار) الذي نعيشه في يومنا وليلتنا، وقد شعرت به حين دخلت بثًا مباشرًا في اليوتيوب ليلة البارحة لشخصٍ يصوّر نفسه وهو نائم.. والآلاف يتابعونه!

   لذلك تفهّمت اختبار قياس.. لأنه يقيس مستوى أظنه يتساءل في النهاية عن (وجود العقل) ومدى تفاعله مع بعض الاحتمالات التي تخضّه!!

   وتفهمت سياسة (مشّوهم) الصامتة في التعليم، وكيف اتسعت فروع الشركات الكبرى اللي لا تحتاج منافذ تسويقها إلا للحد الأدنى من التفكير.

   وهذا يفسر ظاهرة الرخص والابتذال العام في المشاهد من حولنا فرأيناها أقل فخامة وأقل هيبة وصار كل ما كان لا يليق يومًا حاضرًا في المقامات اللائقة، رأيت ذلك حين قرأت لأناسٍ يمتعضون ويبدون صدمتهم الشديدة من ظهور مغنٍ لا طعم لفنه ولا لون في حفل جائزة نوبل، وحين رأيت الرئيس الأمريكي تاركًا حدود الأبهة الرئاسية ليشتم المغنين والفنانين والمتداخلين معه بتويتر، والجدار الرابع يكسر في كل مكان، في المسرحيات التي صاروا -إذا خرجوا منها- سيخرجون (إلى) النص(!)، وفي صفحات النجوم بمواقع التواصل التي تظهر كواليس كل لقطة، والشهرة صارت غير مفهومة، ترى شهيرًا يتابعه الملايين.. لم تعلم عنه، ولا بهؤلاء الملايين مع وجودهم منذ سنوات، وفي دائرة اهتمامك أيضًا.

   إلغاء المسافات بين الناس التي قامت بها مواقع التواصل.. ألغى احترام المظاهر والمقام المكاني أو الشخصي.

   حتى الأدباء علّقوا مسميات العصور القديمة المرتبطة بالمسميات السياسية والعرقية والدينية إلى عنوان كبير ينفخ الحاضر ويثني على تطوره، ولا يخجل من استفهامات أهل المستقبل عن هذا المسمى، فنحن في (العصر الحديث) وإلى هنا انتهت المسميات، وأي إضافات ومستجدات تطرأ فهي (ما بعديات)، مجرد ذيول وهوامش لهذا الزمان. 

   إن ما جرى للبشرية في القرنين الأخيرين، مقارنة بما وصل من التاريخ، يبدو غريبًا وشاذًا تمامًا، ومهيبًا بصعوده العجيب لقمم لم تتخيلها البشرية ولم ترها قادمة لقرون، ونعيشها اليوم كمستهلكين في سياق رتيب تخبو الدهشة من جديده سريعًا، فمنهم من سلّم لهذا التطور (اللانهائي)، ومنهم من رأى أن هذا العالم مرّ بدورات مشابهة لهذا الصعود، لم يصل من قديمها إلا فتات من آثارٍ هنا وهناك لم يُجمَع على حقيقة ما هي عليه ولا الزمان الذي تواجدت فيه، لكنهم أجمعوا على أنها لأمم بادت بلا خبر ولا علم عنها، ومنهم من يرى أنّ هذا تمام البشرية الذي لا يتلوه إلا بدء النقص. الأكيد أنّ هذا العالم لم يستقر على أساسٍ يضمن ديمومة حاله، هناك وعودٌ وتوقعات وثقة زائدة ونماذج متخيلة لواقع يجد فيه العالم طاقة هائلة تعد باستمرار العالم الجديد لقرون أخرى، لكنها لم تتجاوز الأماني، ودعايات مراكز البحوث والمختبرات الجامعية.. جلبًا لدعم الحالمين. 

   ولعل ما ذكرته من ملامح الانكسار النفسي لهذا النمط التطوري المستقر في النفوس ينعكس تواضعًا في النفوس، والتواضع خيرٌ كله، لا سيما بعد زمن الغرور الذي توحّش فيه العلماء قبل الجهّال، وزاغ عقل الإنسان، وما كاد يطلق للعلا صاروخه، حتى أشاح بوجهه، وازورّ عن طريق الصواب.