جاري تحميل ... مُدَونة كِتَاف

إعلان الرئيسية

إعلان في أعلي التدوينة

 

الإنسان يحب التوجيه، وأكذب الخلق من يزعم أنه يستخلص المبادئ من أم عقله.


هذه ما استخلصته مما قرأت وعاشرت.

أنهيت كتابًا لأحدهم، مليئًا بمقولات الأدباء والفلاسفة والمفكرين والروائيين، مقولات مبهرجة بالألفاظ الجميلة، ومركّبة ببيانٍ ساحر، لكن من اعتاد القراءة، استطاع بسهولة أن يستخلص الفكرة، كمّها وكيفها من جوف المكتوب، أو من بين الأسطر كما يقولون.

ولفت نظري قوله بعد اقتباسه لكلامٍ طويل لأحد الروائيين: عُلِم ويُنفّذ!!

أنا لا أُزهّد بالتجارب وخلاصة تأملات العقول النيّرة، ولا أعتقد أنه من الممكن النجاح في تزهيد الناس بها.

كنت أستغرب في صغري مما تعرضه الأفلام الغربية، من استدلال رجالها وأبطالها في أثناء قصصها بمقولة قالها له والدهم، أو جدهم، أو رجل ما صادفه، في هالةٍ من القدسية والتقدير.

وهذا متكرر بين شعوب الأرض، لذلك تكثر اقتباسات الشعر والأمثال وما يطلق عليه الحكمة، كتبها وحساباتها وصفحاتها ومواقعها.

لذا الأمر محببٌ إلى النفس كنشاطٍ لغويٍ شيّق، يليّن قسوة السياق، ويُرخي حِدّة الأوامر والنواهي.

وهي حاجةٌ غريزيةٌ في الإنسان مهما ادعى أنه (منعتق) منها، فقد رأيت من يدّعي عدم تسليم عقله لأحد (في سياق يلمز به الوحي أو علماء الشريعة أو كلام قادة بلده وتنظيرات رجالها)، وحساباته كلها مقولات مقتبسة من روايات وأفلام وفلاسفة وسياسيين من بلاد وجهات وأفكار أخرى، وفي تفاصيلٍ تتجاوز المبادئ إلى الأخلاق والعلاقات الاجتماعية.. ونحوها.

بل إنني وجدت من يزعم انعتاقه من (الوصاية) كما يسميها، وهو يصيغ صبيحة كل يومٍ مقولاتٍ من أمّ رأسه وفكره ويتوقع أن تسري بها الركبان.

إن بين أيدينا كنزان عظيمان يجد فيهما الإنسان أبلغ المقولات وأزكاها، وفي شؤون كثيرة، من طبّ النفوس، إلى العلاقات، والأخلاق الإنسانية، فوق ما تنزلت لأجله من أركان وواجبات، وهي مقولاتٍ تتصف بالكمال والصواب المطلقين، ومصدرها ربٌّ خَلَقَ النفوس ويعلم ما يَصلح لها ويُصلحها وما حولها، ونبيٌّ لا ينطق عن الهوى، وَصَفَ الله كلامه بـ (الحكمة) وأنه خالٍ من الهوى والظن.

وهذه المقولات -كما ذكرت- تناولت كل المواضيع التي نرى هذه الاقتباسات الطويلة توجّه فيها، مع اتصافها بالبلاغة، وخُلوّها تمامًا من الحشو، ولعل هذا ما يصرف البعض عن الاستدلال بها في السياق، لأن الإنسان ملول، وصاحب جدل، لا يحب الوصية والأخذ بعدها، يريد أن يتيه ويخطئ ويجرب ويستمع إلى الكثير من التفاصيل والثرثرات، خصوصًا إذا سَحَرهُ السِّياق، وكان جميلًا ومشوقًا.

ولا بأس من الاستدلال بمقولات الغير، فقد كان النبي ﷺ يسمع الشعر، وحاول الاقتباس منه مرّة، لكن البأس أن تكون حياة القراء للنثر أو الشعر متخمة بمقولاتِ كلّ من هبّ ودب، لكنها خاوية وقاحلة من القدرة على الاستدلال بقولٍ لله سبحانه وتعالى، أو النبي ﷺ، بناءً على فكرة خاطئة في النفوس تصورت أنه لا يقرأ هذه النصوص إلا من يريد عِلمًا تخصصيًا شرعيًا، أو تلاوة سريعة للقرآن طلبًا للأجر، أو فتوى في عبادة أو معاملة.

وهذا غير صائب، وحَرَم ملايين المسلمين والعرب من نعمةٍ بين أيديهم، ولا تأخذ من يومهم إلا دقائق معدودة.

هل أنت بحاجة إلى (تخصص) كي تستمتع بجمالِ الاستشهاد بقول الله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) في سياق الحديث عن العلاقات، أم خير من هذا تلك المقولات التافهة، والأبيات الحاقدة، حول كون البشر لا يستحقون شيئًا، وحولها من نصائحٍ بائسة تتلبس لبوس التجارب والحكمة والفلسفة وتتزين للناس بزينة الألفاظ والبيان؟

وكيف يكون حال السياق بركةً وجمالًا وصِدقًا حين تستدل على ما يسمونه: تقدير التفاصيل الصغيرة. حين تضيف له قول النبي ﷺ: «لا تَحْقِرنَّ من المعروف شيئًا» على رأس كل المقولات والثرثرات التي تُعيد وتُبدي في أمرٍ جَمَعَتْ مقولة النبي عليه الصلاة والسلام خلاصة معانيه وجوامع الكلام عن موضوعه بلا حشو ولا استطراد؟

وتأمل كيف تجمع هذه المقولات المنيرة بالوحي الرباني الثّقل التاريخي والشعوري والجَمال والبركة إلى سياقك، وفوق هذا المعنى ستكون باقتباسك عنها ممن بلّغ الآيات والأحاديث، ونال هذا الشرف العظيم وهو يتحدث عن أمورٍ خارجَ سِياق الوعظ والدروس العلمية والإفتاء، فقد تكون خاطرة حول أمر اجتماعي، أو مقالًا في تنمية الذات، فتسد ثغورًا بحصنٍ منيع من الشرع، وليس من كناسة العقول، وظنون التجارب.

وقد يسّر الله في زماننا من المختصرات، وكُتُب المعالم، ما يجعل المسلم يصل لأحاديث التوجيه النبوية في السلوك والتعامل وطب النفوس وتنميتها بالهمّة العالية، بعيدًا عن أمهات الكتب الكبيرة وأحاديث الأحكام والمعاملات والتي تحتاج لمتخصصين يشرحونها ويفصلون فيها، ومن تلك الكتب التي تصلح لكل أحد، ويجدر بالمسلم انتقاءها: كتاب رياض الصالحين، وكذلك كتاب معالم السنة النبوية بمجلداته الثلاث: [ المجلد الأول:العقيدة - العلم ومصادره - العبادات |||| المجلد الثانيالعبادات - أحكام الأسرة - الحاجات الضرورية |||| المجلد الثالث: الحاجات الضرورية - الفتن ] (اضغط على اسم الكتاب أو المجلد ليظهر لك مباشرة) واقرأ كل يوم صفحة واحدة على الأقل، أجرًا وعلمًا وأجرًا يوميًا في طريقك نحو الله تعالى.. ومقولات توجهك وتوجه بها غيرك، فهذا خيرٌ من كثيرٍ من الغثاء، بل وخيرٌ من المقولات الجيدة لكنها تقال من شخصيات متناقضة أو بائسة أو تبيع الكلام أو في أقل الأمر لن تكون خيرًا لك من خالقك جل وعلا ثم من سيد البشرية ﷺ.. إلخ.

فهما أن يقال بعد القراءة لهما: عُلِم وينفّذ!

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

تزدان المدونة بتعليقاتكم وملاحظاتكم.

إعلان أسفل المقال