جاري تحميل ... مُدَونة كِتَاف

إعلان الرئيسية

إعلان في أعلي التدوينة



"أنا إذا عصبت مدري وش فيني.. أنا ما أشوف شيء إذا دخلت بهوشة.. أنا إذا عصبت تجيني حالة جنونية.."

لدي قناعة قديمة أن كل الناس وربما غالبهم (خصوصًا ممن هم في سنّ المراهقة) يرون من أنفسهم حال الغضب أمرًا يظنونه نادرًا أو مميزًا أو غريبًا ينفردون به عن سائر البشر، بينما يتوقف هذا الشعور تمامًا حال الصدمة (كأن يتم التغلب عليه في مضاربة أو إذلاله أو اتضاح تفاهة هذا الأمر فيما بعد للتقدم في السن أو الوقوع في ورطة مع النظام أو الأهل.. ونحو ذلك).

بينما –في حقيقة الأمر- لا يتعدى الأمر عن كونك في النهاية (شخص غاضب)، فإما أن تنهزم أمام الغضب والشيطان فتقترف ما تظنّ أنه حصل منك (دون وعي)، وإما أن تكون رجلًا فعلًا وتتغلب على ماهو في الحقيقة (ضعفك) أمام الغضب، خوفًا من الله تعالى ورحمة بأهلك وأهل خصمك، وطلبًا للأجر العظيم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "لا تغضب، ولك الجنّة"

الغضب ليس حالة نادرة أو جنونية فيك، ذلك الارتعاش وارتفاع حرارة الجسد والتنفس المتتابع السريع والاندفاع الذي تجده في نفسك لإيذاء الغير يحصل مع كل البشر حال الغضب وشدته، فلست (سوبرمان) زمانك، ولم يتنزل عليك غضبٌ خاصٌ بك من دون سائر البشر، وإنما أنت أحد شخصين، إما عاقل يستحضر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "ليس الشَّديدُ بالصُّرَعةِ، إنما الشديد الَّذي يملِكُ نفسَه عندَ الغضب" وإما تافهٌ مسكين يظنّ غضبه حدثًا عظيمًا فيقع في ورطةٍ تريه قدر غضبه بإيذاء نفسه أو إيذاء غيره.

والمشكلة قد لا تكون في الغضب؛ بل في التحكم به، فحين يجهل عليك شخص ويستفزك لابد أن تجد نفسك غاضبًا، لكن مشكلة بعض الشباب –كما رأيت في مشاجرة أمام إحدى المدارس- أنه ما إن يغضب حتى يعمي عينه بإرادته ويتجاوز كل الحدود الشرعية في التعبير عن غضبه، فلا بأس عنده أن يورط نفسه وأهله بإطلاق يده كما يشاء بالضرب واستخدام الأدوات المميتة أو المؤذية بشدّة، فإذا تورط انتبه بعد فوات الأوان، واستعاذ من الشيطان بعد أن نفذ الوسواس مهمته.

كم من شابٍ ركبه غضبه فانتهى به الأمر سجينًا ينتظر قطع رقبته يندب حظه ويتمنى أن يسترجع لحظات ما قبل الحدث ليتعامل معه بعقل ودين ورجولة، كي لا يفجَع بجريمته عوائل كثيرة من جهته ومن جهة ضحيّته، بسبب لحظات استسلم فيها تمامًا أمام غضبه.

وكم من أبٍ مكلوم عاش حياته عصاميًا كريمًا، فأذلّه ابنه أمام الناس وأحال حياته جحيمًا لا يطاق بسبب هذا الوهم، فنحن بين أبٍ يدور الدنيا كلها يجمع الأموال كي ينقذه، أو يستجدي خلق الله كي يزوروا أهل الضحية للتنازل والعفو.

وكم من أمٍّ انتظرت ابنها في صباح يومٍ عادي، فلم يأت الابن ووصلها بدلًا منه خبر قتله أو طعنه أو إصابته على يد جريء اليد ضعيف العقل والفكر.

حزنت كثيرًا بعد أن حاولت وغيري التفريق بين بعض الشباب في مشاجرة أمام إحدى الثانويات؛ لأني رأيت من اندفاعهم على بعضهم وجرأة أيديهم على أجساد بعضهم وتقصد الإيذاء ما لا أفرق بينه عن بعض مقاطع الشبيحة في جرأة أيديهم على إيذاء الغير.

وإن من الأمور المعينة على إدراك المعاني الجليلة لكتمان الغضب أو التعامل بحكمة مع المواقف المستفزة قراءة مواقف الحكماء والصالحين والأنبياء مع من استفزهم وسبهم.. وتأمّلها، فإن في هذه القصص عبرة وعظة فوق ما فيها من متعة وغرابة، حين تقارن بين النتيجة الرائعة لتعاملهم من حياء الشخص المقابل وانقلاب حاله من كاره لمحب وبين النتيجة المهلكة لتعامل بعض الشباب معها من قتل وسجن وتشتيت عوائل وهدم بيوت، ونتيجة الأوّل هو المتوقع دائمًا لأن الله –سبحانه وتعالى- قال: { ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم }.
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

تزدان المدونة بتعليقاتكم وملاحظاتكم.

إعلان أسفل المقال