أعجب كثيرًا حين يضع الناس (هامشًا) لحديث الفنانين والمشاهير، تمامًا كتهميش طلبة العلوم لمتون علومهم، يصرح التافهون ضد بعضهم ويهمز بعضهم بعضًا، ثم ترى بعض الشباب والشابات وربما بعض الكهول يتنقلون من تطبيق لتطبيق لمعرفة هوامش الشجار وشروحات اللمز.. لأيام وشهور. 

    (هو بدأ حين لمّح لكذا في كواليس مسرحيتهم، أتابعتم شجارهم في البرنامج؟ لها حق في أن تشتكي عليه وترفع قضية تشهير.. إذا ركزت على وجهه تجده تغير في الدقيقة كذا.. بينهم عقد ملزم.. إلخ). 

    وبعض الشجارات استمر الجدل حولها لسنوات، وخلقت خلالها وجوه، ورحلت وجوه، وهرمت وجوه. 

    قبل سنوات قرأت تغريدات يشرح فيها كاتبها قصّة خلافٍ ما.. بين المطربين فريد الأطرش وعبدالحليم حافظ، والقصة أن عبدالحليم حافظ، الشاب الصاعد، أحدث إشكالًا لدى جماهير الأطرش، ثم وضع كاتب التغريدة فيديو يبدو أنه للقاء صلح بينهما، وأوصانا كاتب التغريدة أن نتأمل ونركز على ملامح التوتر بينهما ولغة العيون.. حتى أثناء الصلح؛ لأن القلوب لم تتطهر تمامًا. 

    (وترى كان جمهور الأول يتعمد حضور حفل الثاني وتخريبه.. إلخ) وقضية طويلة عريضة مات مطربوها وجمهور وقتهم.. وبقي الجدل الفارغ. 

    هذا الوقت كالحلم، فإذا ملأته بما ينفعك لم يعد لهذا التشبيه معنى؛ لأنك ألغيت معناه بانتفاع حقيقي في دينك ودنياك، فلم يعد حلما بعد اليوم بل إنجاز متحقق ترى أثره في حاضرك. 

    في الوقت الذي كانت تتشاجر فيه أجيالٌ في المنتديات حول من يستحق لقب فنان العرب، صرف آخرون وقتهم فيما ينفعهم، وهم اليوم قياديون (نراهم رأي العين، ونعرف بداياتهم، ونذكر انشغالهم بعيدًا عن ضجيج التوافه، ونستحضر تجاربهم البسيطة، بأخطائها وصوابها) في المجالات التي بذلوا لها، من مفكرين، وأدباء، وسياسيين، وتقنيين، وتجار.. إلخ، وكان وقتهم في الانترنت أساس انطلاق للنجاح والنفع العام، أو للرضى عن النفس على الأقل مع شرف المحاولة.. وإن لم يكتمل النجاح أو لم يتم. 

    ولك أن تبحث تحت عناوين الفنون المختلفة والعلوم المتفرقة عما بقي من منتديات، لترى أرشيف الانتفاع والتلمذة والتعلم والأسئلة باقٍ وشاهدٍ على الأوقات الذهبية التي بذلها أذكياء الجيل فيما يرفعهم ويعلي شأنهم، ثم لك أن تفتش في أطلال ما تبقى من منتديات التوافه وإحراق الوقت في الـ (whatever) كما يعبر الضَّجِر منهم؛ لتبصر الأرشيف شاهدًا على ثقوب سوداء ابتلعت أوقاتًا هي أثمن من كل كنوز الدنيا، ولفظتهم إلى العدم، قد تورطوا بأوقاتهم بعدما ملّوا تلك الألعاب فضاعوا في هامش الفراغ. 

    أتعمد أن أسأل طلابي في المرحلة الثانوية بداية كل سنة السؤال التالي: ماذا حملت معك من المرحلة الابتدائية والمتوسطة، غير التجارب والمعلومات الأساسية التي يشترك فيها كل البشر؟ 

    وأفرح كثيرًا إذا وجدت من يجيب: حملت معي كذا جزء من القرآن، وحملت معي اللغة الإنجليزية، وتمكنت من برنامج الفوتوشوب، وقرأت روايات نوبل، ونفعت في الجانب الفلاني.. إلخ. 

    أفرح لأن هذه الإجابات تنبّه بقيّة زملائهم على عظيم ما فاتهم من تلك المراحل، فقد ولّت بحلوها ومرها، وبقي لزملائهم ما ينفعهم بحق، فمن تعلم الإنجليزية فتح لنفسه عالمًا واسعًا للغاية، ومن حفظ القرآن ارتقى دنيا ودين، ومن أتقن التصميم فتح باب رزقٍ ومتعة لنفسه، ومن أنهى كتبًا معينة علمت أنه أذهب عن نفسه وسواس (هيبة) القراءة و(صعوبتها) الذي منع البشر من خيرها ومتعتها.. إلخ، ومن احتسب الأوقات التي صرفها على هذه الأمور كلها، حتى المباح النافع الدنيوي منها، فهذا شأن آخر من الأجر العظيم والخير العميم. 

    وحديثي هنا عمّن يصرف ذروة وقته أو غالبه في هذا العدم، أما من حفظ وقته وأوقف بعضه أو غالبه على ما ينفعه، ثم صرف ما تبقى على المناسب من الملهيات، أو حتى التافه المباح منها، فغير داخل بمن أعنيهم. 

    وقد قبضنا ثمن التجربة في الحالين، فذقنا حلاوة الأيام التي انتفعنا منها بالكد والسهر، وتكمن حلاوتها فيما حملناه من آثارها علينا إلى اليوم، من علمٍ أو عادة طيبة اكتسبناها بمجاهدة تلك الفترة.. وغير ذلك، وأحسسنا بمرارة أيامٍ ركنّا فيها إلى الخمول والتوافه فصُرفت ثوانيها إلى العدم، وتكمن مرارتها في أنه لم يبق منها إلا إدراك العقل بحتمية مرورنا بها دون انتفاع أو -على الأقل- تذكرٍ لمواقف ذلك العام أو تلك المرحلة. 

    وقد صادفت مرات في مواقع التواصل بعض محرري صفحات الفن في التسعينات وبرامجها، أيام ما كان سوق المجلات والصحف والبرامج الفنية رائجًا في ذلك العقد، فوجدتهم قد صاروا كهولًا ومسنين، وذهبت حدّة تلك الأيام وأخبارها، وتحولت لـ (هواجيس) تخرج منهم كإفرازات لا يملكون منعها، ولا زالوا يحللون ملامح الفنانين، ونبرات أصواتهم، وبدايات الخلاف (الحقيقية) بينهم، ويفتخرون بعلمهم عن كواليس ما يجري كما يفتخر المحلل السياسي بمعلومة من داخل مطبخ السياسة في بلده. 

    وليس الخبر كالمعاينة، فدعك من أخبارهم، ولا تعاين خصوماتهم، واستبدل الذي هو خيرٌ من حيازة واكتسابٍ بالذي هو أدنى من أقوال التافهين وأفعالهم، ولا تهبط إلى ما هبطوا إليه.. ولا تبلغ أمصارهم، فهي نائية عن حدود الأخلاق والنفع، وإلا سيضرب على مستقبلك ذلة الجهل، وعلى كهولتك مسكنة التفاهة.

.
طفل فقير يلعب

شاهدت في يوتيوب مقطعًا بعنوانٍ كوميدي، في قناةٍ كوميدية، بكلمات دلاليةٍ تصنفه ككوميديا، لسائق أُجرة مسنّ في بلد عربي أوصل راكبًا خليجيًا (كان يصور الموقف بالجوال)، فلما توقف قال الراكب: بكم؟ فرد السائق: (خليه علينا)، فتظارف الراكب ونزل متظاهرًا بتصديق مجاملته، ليمسكه السائق غاضبًا، فضحك الراكب وقال ساخرًا: رجعت في كلامك؟! 


   من كوميديا زماننا رد فعل الناس على متوالية التطور التي تؤمن نخب وشعوب في عصرنا على حتمية تسلسلها. 

   طبيعة القرن الماضي وشيء من مظاهر القرن السابق له جعلت الإنسان متيقنًا كل اليقين بأن العالم يتقدم ويتطور في كل المجالات، بلا عودة للوراء، ووافق ذلك تعلق البشرية بنظريات تُنسب للعلم وتدعم هذه النظرة للحياة، وصار الخيال، حتى الخيال، منساقًا لهذه الحالة. 

   (غدًا يجدون علاجًا للسرطان.. سنرى الإيدز يصير كالتهاب الحلق.. سنسكن المريخ.. سنعيش في مدن تحت الماء.. سيتكتل العالم إلى تحالفات موحدة.. وداعًا أيها القابعون في الماضي) ملايين التوقعات لا تخرج عن الإيمان بحتمية التطور الجيد للأعلى.. للأمام.. نحو الفردوس الأرضي، ومحاولة (اكتشاف) قانون التطور ومعادلته، وأقول (اكتشاف) لأنهم يرون أنه موجود حتمًا.

    يصف ستيفان تسفايج في مذكراته (عالم الأمس) هذه النظرة قائلًا: «إن الثقة البالغة بأننا قد حصنّا كل الثغور التي قد يهاجمنا منها القدر قد انطوت على غرور خطر، فالمثالية الليبرالية في القرن التاسع عشر قد أقنعت الناس بأنهم ماضون في طريقٍ مستقيم مطّرد إلى أفضل العوالم. أما العصور السابقة التي شهدت حروبًا ومجاعات وثورات فقد استُنكرت كأزمنةٍ كان البشر فيها مفتقرين إلى النضج والتنوير، والآن لم يبق إلا بضعة عقود من الزمن حتى يزول آخر أثر للشرّ والعنف».

   فإذا حصل أمر ما يصادم هذه النظرة، فغرت الأفواه وعمّ التوتر وانتشرت علامات الاستفهام وبدت ملامح القلق والدهشة مما يجري، ولسان الحال: (لم نتفق على ذلك أيها الكون!!). 

   من ذلك، في عالم السياسة، ما جرى بعد انتهاء ولاية أوباما، وصول أوباما للرئاسة كان بالنسبة للشعب الأمريكي، والمستغرقين في هذا النموذج من الشعوب الأخرى، حدثًا داعمًا لهذه المسيرة التطورية، وقد رأينا احتفالات فوزه في ولايته الأولى، وشتائم المستغرقين في نموذج الأقوى لبلدانهم وشعوبهم التي تخلفت عن هذا المشهد الحضاري، لقد حكم أمريكا رجل أسود، إذن.. لنستعرض تاريخ كفاحهم ومن تعاطف معهم من الأحرار، وليمضي بنا التطور الحتمي لتحكمنا امرأة بعد ذلك، فكان من سخرية الزمان أن تخسر امرأة شر خسارة وأذلّها أمام نموذج يرونه -حسب مبادئهم التي يرفعونها- متعصبًا ودنيئًا استخدم أكثر الأفكار عنصرية -متجهًا بهم عكس سير التاريخ كما عبّدوا طريقه في أذهانهم- للتسويق لنفسه.. وبنى انتصاره على أنقاضِ صرحٍ من خيال بناه غرور الإنسان المعاصر.

   وكانت بعض أنقاض هذا الصرح قد هُدّت في وقتٍ قريب حين خرجت بريطانيا مبدئيًا من الاتحاد الأوروبي، وقد عايشنا ذهول الناس في تلك المرحلة مما يجري، ووقتها انتبهت لرسوخ هذه الفكرة عن تسلسل العالم نحو الأفضل والأكثر تطورًا في أذهان العالم، فأتى هذا الحدث الأوروبي ليبعثر الترتيب المثالي لسيناريوهات التقدم، لم يكن مفترضًا أن يحصل هذا ولا في أسوأ الكوابيس، وقد كان المحللون يستعينون بمثال الاتحاد الأوروبي في اقتباس النموذج الأمثل لحتمية ما سيكون عليه شكل العالم الاقتصادي والسياسي، وأن الدولة التي لا تدخل في كيان اتحادي اقتصادي وسياسي مع دول أخرى مقيّدة إلى القرن الماضي، وسيتجاوزها التاريخ، وتتخطاها الشعوب. 

   ثم رأينا ذهول العالم من اتجاه شعوب "العالم الحر!" لانتخاب المتعصبين وأحزابهم، بعد أن أعلن العالم بشكل غير مباشر التصدي لهذا الذنْب بعد هلاك هتلر، لم تصل الأمور لمستوى المناحة ودرجة التشاؤم اللتان برزتا في كتابات المحللين، لكنها بداية أمر ما بلا شك، وهذا الأمر ليس على طريق التطور المفترض في خلد إنسان العصر الحديث، ودرجة التشاؤم وصلت إلى توقّع متابعة العالم الحرّ للنموذج الصيني في مسألة الحزب الواحد.. مع المرونة الاقتصادية، وكل شيء محتمل في هذا العالم المجنون الذي لم يترك يومًا الأفكار والأديان المنحرفة والمتعصبة، لكنّه تمكيج بشعارات مختلفة تؤجل الصراعات الحتمية، وتخفي النوايا المظلمة في أي معركة عصرية، وكان دور تلك الشعارات هو وصول المؤمنين بالأفكار والأديان التي زعم العالم محاربتها عبر أفيون (العصر الحديث) من شعارات قومية وأفكار ثورية وأنظمة رأسمالية، وكل يومٍ نرى اندهاش العالم من تلاشي المكياج شيئًا فشيئًا لتظهر الملامح القديمة للمتعصبين، ولا يزال الزمان يحمل أخبار السوء وسياط الحقيقة للواهمين بعصرٍ إنساني وردي مزدهر يترك وراءه صراعات الماضي، ممن يظنون أن اجتماع صيني وروسي وأوروبي وأمريكي في مختبر أو محطة فضائية يفترض أن تقطع الحاضر والمستقبل عن التاريخ والانتماء ونواميس الكون والحياة.. ياللوهم!

   ومن عالم السياسة إلى التقنية والانترنت.. فمن حتميات تطورها التي تواتر عليها أهلها في مجال التصميم والمواقع: التبسيط. كانت المواقع تتزخرف لزائرها في كل زاوية من زوايا الصفحة، وكانت الأيقونات صورًا كتابية أو رسومًا، فأُعلن أن عالم الشبكة يتجه للتبسيط بلا رجعة، ومن بقي على ديكورات ذاك الزمن تجاوزه الناس ولاموه وزجروه، فاكتفت المواقع بكثير من البياض ونصوصًا مبسطة تنتقل بك إلى صفحات أخرى أو يحدث الانتقال ضمن الصفحة الأساسية، لكن السنوات الأخيرة بدت تخون هذا العهد في التطور بعد تحديثات المواقع وجديد التطبيقات التي أعادت الزخرفة والتعقيد والفوضوية، وما الضجة التي صاحبت تحديثات فيسبوك المتعاقبة قبل سنوات ومن ثم سناب شات في الفترة الماضية وغيرها إلا مثال على أنّ السيناريو المتجذر في نفس إنسان هذا القرن والقرن الماضي عن حتمية تطور الأمور للأفضل.. ليس موجودًا في الواقع، وإنما فكرة جُمعت أحداث السنوات الماضية كدليل على صدقها، وكانت تلك السنوات وفيّة بحق لهذه الفكرة، لكن نقضها يحتاج لمزيد من الوقت حتى يدرك الناس أن السنوات الماضية كسنوات الشباب التي تجعل صاحبها لا يتخيل أنه سيتقدم في السن، وكسنوات الصحّة التي تحرمك من تصوّر المرض، فضلًا عن تمكنه منك يومًا ما، وكالحيّ الذي يرى الموت يتخطف الكائنات من حوله.. وهو الناجي الوحيد.. "دائمًا!"، فيُحسن -في غيبة وعيه- الظنّ بالحياة.. والموت. 

   وقد أحسن "مستهلكو" الشبكة الظن بهذا العالم الجديد حتى رأوا انتقال نجوم اليوتيوب إلى عالم التلفاز، وتبعثر أشهر كتاب المنتديات في الصحف، نعم.. انتقلوا من المستقبل إلى الماضي، ومن العصر الجديد.. إلى العصر البائد (كما هو مفترض!) فبدأت تظهر بعض التساؤلات منهم، والشماتة من رواد الصناعة القديمة، وكذا الأمر مع الكتب التي كان يفترض أن تزول، ولكن رأينا معارض الكتاب تزدهر، والمؤلفين الذين يصدرون أسفارهم في الكتب الورقية يزدادون، ودور النشر الفتية تنتشر، إذا غضضنا الطرف عن موضوع الجودة. 

   ولا شكّ عندي أن السنوات القليلة القادمة ستشهد تطورات مثيرة تصادم الحريّات التي عاش فيها رواد الانترنت خلال عقدين، وستتجه هذه التطورات للمزيد من القيود، وقد بدت بعض ملامحها في أنشطة وندوات وإعلان نوايا، بالإضافة إلى بعض القرارات الأمنية المرتبطة بعناوين التشهير ومداهمات الحقوق الفكرية ومطاردات ملاكها، ولعلّ الأحداث في هذا الجانب ستكون أشدّ ضراوة في الزمان القريب كسرًا لحتمية التطور في النفوس، ولنتذكر كيف كان تويتر وفيسبوك أركانًا يأوي إليها الناس ويعيّرون عبرها زمن الإعلام الواحد، وأعلنوا افتتاح مرحلةٍ جديدة أكثر حرية وسلطة للإنسان، وطبعًا.. مع استحضار أنها لبنة أخرى في بناء التطوّر العام، وكذا في مجانية الحصول على الخدمات والمنتجات عبر الانترنت بلا رقابة، لكن تأقلمت سلطات العالم مع هذه المرحلة الجديدة.. ولا زالت تتأقلم وتُؤقلم إدارات هذه المواقع معها، لتظهر ذات ملامح الشّدَهِ والحيرة في نفوس الناس، فمنهم من تصبّر.. ومنهم من ودّع هذا العالم متشائمًا ومحبطًا بعد سنوات ظنّ فيها أن مراحل الحرية تلك ستأتي بالمزيد من الحريات.. كسطرٍ في قصّة التطور المعاصر.

   حتى في عالم الألعاب الإلكترونية، على عدم جديته، إلا أنه حصل تصادم ذوقي غريب جدًا مع سيناريو التطور المفترض، وهو التقدم لأجهزة أكثر تطورًا، وألعاب أكثر جمالًا وروعة.. وسيمضي العالم مع هذا التطور بكل سرور، حتى أنك لن تفرق واقعك عن لعبك. 

   ثم تأتيك لعبة بسيطة مثل ماين كرافت، تُظهر لك البكسلات الضخمة والمضلّعات القليلة والمدببة بكل وقاحة الدنيا، لتبرز تلك الملامح مرّة أخرى على الأجيال التي تابعت تطورات هذا العالم منذ الثمانينات وحتى اختفت تلك المربعات من الرؤية الواضحة وازدادت دقة وبهرجة، ومع ذلك تنصرف الأجيال الجديدة وبعض من خونة الأجيال الماضية عن تطورات هذا العالم ويتتبعون هذه اللعبة المنتمية فنيًا لعقود مضت ساخرين من سيناريو التقدم. 

   ومثل هذا التصادم الذوقي الغريب مع نموذج التطور نجده عند الذين يظهرون امتعاضهم من تطورات الألعاب الجماعية ذات الأفكار الخلابة والجمال في التصميم والتي انتهت إلى ألعاب تُظهر لك الحد الأدنى من الذوق الظاهر، ولك أن تقارن ألواح الرِّسك والمونوبولي وسلّم الأفعى، وتقاطيع أحجارها الجميلة، وبطاقاتها المتنوعة، بلوح "الشيش" الباهت، وخطواته البسيطة، ودبابيسه المكتبية. 

   وكذا الأمر مع الأجهزة الذكية وعودة ألعاب البعد الثاني بكل قوة عبرها، وتهديد عرش أجهزة الألعاب ليجعل هذا العالم الواسع مجرد ميزة جانبية وتطبيقًا آخر في جهاز جوّال! 

*          *          *

   إن فكرة التطوّر راسخة في خلد الإنسان المعاصر، لدرجة أن أحداث نهاية العالم التي يتوقعونها ويصورونها في رواياتهم وتحليلاتهم وشاشاتهم، وترى فيها العالم مدمرًا وفي فوضى، لا تخلو من التطور العظيم في الأسلحة والعلاج والسكن واللباس.. حتى في ظلّ توحش العالم! 

   فجاءت هذه الصدمات لتذهل الإنسان، والذهول يعقبه -عند الموفّقين- تأمّل ومراجعة، فقد عمّ الغرور إنسان الباطل فأمات الإله والأخلاق وهدم بيوت الطين على ما احتضنته، وكذا بعض أهل الحق، الذين جعلوا كلّ عَقدٍ من زمانهم أرضية لإسقاط قمم الحق والنصر.. عليه، ورأوا أنّ هذا التطور يجهّز لهم العلامات الكبرى، فعيسى عليه السلام، والمهدي، والخلافة على هدي النبوة، كانت تنتظر ولادتهم، وسنن الابتلاء والامتحان ستكون خفيفة عليهم، وربما يُستثنون منها، فسيعملون بطمأنينةٍ توصلهم إلى النصر القريب جدًا.. بسكينة.

   إنّ العالم متجّه للرخص في الذوق، ونقص الذكاء العام، ما نتج عنه إنقاص مستويات النجاح التعليمي ولو بالتحايل كي تمضي هذه الأجيال إلى سوق العمل وتنال ضريبة ما يجري، وزادت سرعة هذا (اللاتجاه!) منذ 2007 حين ارتفعت سرعات النت في العالم.. وتغيّرت بنية المواقع والانترنت ووسائل وصوله للناس.. وظهرت الأجهزة الذكية وتطبيقاتها، وبدت آثار العزلة معها في الأجيال الفتية.

   قديمًا، كان يعد البرامج التلفزيونية المخصصة للصغار والمراهقين فريق عمل من الراشدين، حتى لو كان هذا العمل تافهًا في أصله وعليه محاذير وملاحظات شرعية وتربوية، لكنه على أيّة حال عمل يديره فريق عليهم مدير ويتواجدون في مقرات حكومية تكره (وجع الرأس) وأي ضجيج حول برامجها، فإن لم يدفعهم المبدأ، دفعهم لتحقيق بعض الأهداف الجيدة ابتغاء رضى الناس، واليوم ترى طفلًا، يفتح البث المباشر بضغطة زر، دون أن يقدح في ذهنه أي شيء حال ضغطه للزر، عقله الصغير ومستواه التعليمي وطبيعة العمر كلها لا تؤهله لجلسة التفكير الإبداعي المستحضرة لأي أهداف وغايات نبيلة، أو حتى غير نبيلة، إنما هي الغريزة، المشابهة لغريزة الحيوان، لكن مع هذا يتابعه (يوميًا) ملايين الأطفال يضيعون من وقتهم معه ساعتين إلى أربع ساعات، هو ذروة يومهم، كان يفترض أن يكسبوا فيه أمورًا ضرورية للغاية (لا مجرد فضول مهارات أو معارف)، بل أمور مرتبطة بعناوين لا غنى عن إدراكها في حياتهم (الخطأ، الصواب، الضرر، الخطر، الإنسانية.. إلخ)  والنتيجة جيل تنقصه الأساسات لا فضول المعارف، (مهني) شهادته الدراسية لا تثق بها المؤسسات؛ ولا تدل إلا على كونه قد تعدى سن 18 سنة.. وإذا احتاج وظيفة يكفيه الحدّ الأدنى من الحضور العقلي ليعرف أين يتجه وكيف يدير الشيء وينهيه.. برتم ينفع لفئران التجارب وقرود المعامل!

   كنت أستهزئ في طفولتي ومراهقتي من أصحاب الفنون الحديثة التي تمرّ علي في بعض الوثائقيات، حين أراهم يضعون كيس نفايات ممزق فوقه منديل،، أو يرمون في زاوية من زوايا المتحف قلم مكسور وحبره ينزف بجوار قطع من البطاطس، ثم يظهرون بوقاحة (كما كنت أحكم عليهم) ليقولوا أن (تحفهم) الفنية تعبّر عن المعاني الفوضوية والسائلة التي سلك العالم طريقه نحوها، ولا أدري أكانوا يتصورون ما نراه، أم أنها مصادفة، لكنهم صدقوا في رؤيتهم، وكان فنهم معبرًا عن هذه (الدُوَار) الذي نعيشه في يومنا وليلتنا، وقد شعرت به حين دخلت بثًا مباشرًا في اليوتيوب ليلة البارحة لشخصٍ يصوّر نفسه وهو نائم.. والآلاف يتابعونه!

   لذلك تفهّمت اختبار قياس.. لأنه يقيس مستوى أظنه يتساءل في النهاية عن (وجود العقل) ومدى تفاعله مع بعض الاحتمالات التي تخضّه!!

   وتفهمت سياسة (مشّوهم) الصامتة في التعليم، وكيف اتسعت فروع الشركات الكبرى اللي لا تحتاج منافذ تسويقها إلا للحد الأدنى من التفكير.

   وهذا يفسر ظاهرة الرخص والابتذال العام في المشاهد من حولنا فرأيناها أقل فخامة وأقل هيبة وصار كل ما كان لا يليق يومًا حاضرًا في المقامات اللائقة، رأيت ذلك حين قرأت لأناسٍ يمتعضون ويبدون صدمتهم الشديدة من ظهور مغنٍ لا طعم لفنه ولا لون في حفل جائزة نوبل، وحين رأيت الرئيس الأمريكي تاركًا حدود الأبهة الرئاسية ليشتم المغنين والفنانين والمتداخلين معه بتويتر، والجدار الرابع يكسر في كل مكان، في المسرحيات التي صاروا -إذا خرجوا منها- سيخرجون (إلى) النص(!)، وفي صفحات النجوم بمواقع التواصل التي تظهر كواليس كل لقطة، والشهرة صارت غير مفهومة، ترى شهيرًا يتابعه الملايين.. لم تعلم عنه، ولا بهؤلاء الملايين مع وجودهم منذ سنوات، وفي دائرة اهتمامك أيضًا.

   إلغاء المسافات بين الناس التي قامت بها مواقع التواصل.. ألغى احترام المظاهر والمقام المكاني أو الشخصي.

   حتى الأدباء علّقوا مسميات العصور القديمة المرتبطة بالمسميات السياسية والعرقية والدينية إلى عنوان كبير ينفخ الحاضر ويثني على تطوره، ولا يخجل من استفهامات أهل المستقبل عن هذا المسمى، فنحن في (العصر الحديث) وإلى هنا انتهت المسميات، وأي إضافات ومستجدات تطرأ فهي (ما بعديات)، مجرد ذيول وهوامش لهذا الزمان. 

   إن ما جرى للبشرية في القرنين الأخيرين، مقارنة بما وصل من التاريخ، يبدو غريبًا وشاذًا تمامًا، ومهيبًا بصعوده العجيب لقمم لم تتخيلها البشرية ولم ترها قادمة لقرون، ونعيشها اليوم كمستهلكين في سياق رتيب تخبو الدهشة من جديده سريعًا، فمنهم من سلّم لهذا التطور (اللانهائي)، ومنهم من رأى أن هذا العالم مرّ بدورات مشابهة لهذا الصعود، لم يصل من قديمها إلا فتات من آثارٍ هنا وهناك لم يُجمَع على حقيقة ما هي عليه ولا الزمان الذي تواجدت فيه، لكنهم أجمعوا على أنها لأمم بادت بلا خبر ولا علم عنها، ومنهم من يرى أنّ هذا تمام البشرية الذي لا يتلوه إلا بدء النقص. الأكيد أنّ هذا العالم لم يستقر على أساسٍ يضمن ديمومة حاله، هناك وعودٌ وتوقعات وثقة زائدة ونماذج متخيلة لواقع يجد فيه العالم طاقة هائلة تعد باستمرار العالم الجديد لقرون أخرى، لكنها لم تتجاوز الأماني، ودعايات مراكز البحوث والمختبرات الجامعية.. جلبًا لدعم الحالمين. 

   ولعل ما ذكرته من ملامح الانكسار النفسي لهذا النمط التطوري المستقر في النفوس ينعكس تواضعًا في النفوس، والتواضع خيرٌ كله، لا سيما بعد زمن الغرور الذي توحّش فيه العلماء قبل الجهّال، وزاغ عقل الإنسان، وما كاد يطلق للعلا صاروخه، حتى أشاح بوجهه، وازورّ عن طريق الصواب.


قرأت قبل فترة كتاب (جلال أمين) الكاتب وعالم الاقتصاد المصري (ماذا علمتني الحياة) وكان سيكون دقيقًا في عنوانه لو سماه: (ماذا رأيت في الحياة؟).

ولفت نظري فيما كتب حديثه عن أخيه (حافظ) وشخصيته (الغريبة) بالنسبة للناس (الطبيعية)، وأعني بهذا الوصف الأخير بقية البشر الداخلين في سياق الحياة الاجتماعية والاستهلاكية والاستعراضية بلا لوحات تنبيه، يمثّلون صياغة الخَلق التي وصفها الله تعالى في شكلها الاعتيادي الخالي من التوقف والعمق والتأمل والحكمة والنظر في مآلات الأمور: تحب المال حبًا جما، تعتني بما يباهيها، ومستمرة على ذلك بلا توقف.

(حافظ) هذا شخص لا يغريه المال، ولا الكماليات، ولا السفر، قنوعٌ في كثير من أمور الحياة، إلا في أمر هوايات له كان طموحه فيها عاليًا، فقام بتطويرها والعناية بها ثم لما بلغ فيها مرحلة يرتضيها ورأى رضى المقربين منه عنها (ومنهم جلال أمين نفسه)؛ سعى ليأخذ حقه المفترض من الحياة كغيره من الناس.

يقول جلال أمين: (كان أكثر ما يجلب له السرور والرضا عن نفسه تأليف المسرحيات. وربما كان هذا هو الشيء الوحيد الذي كان حريصًا على أن يحصل فيه على رضا الناس عنه واعترافهم به. وكان يتمتع بالفعل بالقدرة على كتابة حوار مقنع ومؤثر، وأن يحوّل القص السردي لأي حادثة إلى حوار جذاب. وما أكثر ما كتب من مسرحيات، قصيرة وطويلة، مؤلفة ومترجمة، وما أكثر ما أرسل منها لهذه الفرقة المسرحية أو تلك، المشهور منها والمغمور، القومي والمحلي، ولمحطات الإذاعة والتلفزيون، وكان إلحاحه ومثابرته في هذا مما يستحق الإعجاب حقًا، إذ لم يكن ليصدّه أي رفض أو نقد عن هدفه وعن إعادة المحاولة من جديد. فإذا طلب منه إجراء تعديل على مسرحية كتبها؛ عكف على إجرائه مهما كان التعديل جذريًا وشاملًا، حتى يظفر بالموافقة على تمثيلها. ومع كل هذا فما أقل ما حظي به من نجاح في هذا الصدد. نعم، مُثّلت له بعض المسرحيات المترجمة وقامت بعض الفرق المحلّية الصغيرة بتمثيل مسرحية قصيرة له أو مسرحيتين، وعرفه واستمع له بعض المخرجين الكبار، ولكنه لم يظفر منهم بمساعدةٍ ذات شأن، وظلّ إلى أن مات لا يعرفه ككاتب مسرحي إلا عدد صغير جدًا من الناس، عدا أفراد أسرته).

ويكمل جلال أمين قصة أخيه: (ومع تكرار عجزه عن تحقيق النجاح الجماهيري الذي كان يعتقد اعتقادًا جازمًا أنه يستحقه ككاتب مسرحي، أصيب بخيبة أمل شديدة زادت قوتها مع مرور الزمن، وجعلت حديثه لا يكاد يدور، في سنواته الأخيرة، إلا حول هذا الموضوع: إمّا أن يشيد بقدراته ككاتب مسرحي إشادة فيها مبالغة غير مقبولة، أو ينتقد الكتّاب المسرحيين الناجحين انتقادات فيها أيضا قسوة غير مقبولة، فضلًا عن أن الدافع إلى هذه القسوة كان واضحًا للجميع..) ولعل جلال أمين يقصد بالوضوح في هذه الخاتمة أن أخاه كان يحسدهم.

قبل أن أصل إلى هذه الأسطر من كلام جلال أمين عن أخيه حافظ كنت أتصفح عبر الجوّال موقع التواصل الاجتماعي تويتر فرأيت أنينًا مكتومًا لأحد المغرّدين الذين لهم عناية بالكتب والمؤلفات ونشر اقتباسات مهمة ومنتقاة من شخصه وبنَفَسٍ متواصل غير منقطع ولا كسول يصف في بدايتها تغريدةً عاديّة يستطيع أن يعبّر أي طفل في المرحلة المتوسطة بمثلها لكنها مع ذلك نالت انتشارًا عجيبًا، فيقول: (أعاد تدويرها ٢٢ ألفًا! وهي لا تحوي معنىً نفيسًا أو سبكًا عاليًا ونحن نضع فوائد من بطون المجلدات وأمات الكتب ولا نجد لها هرولة ولا مشيًا)، وقد مرّ عليّ في تويتر عدّة أدباء ومفكرين صدر عنهم مثل هذا البث الذي لا يخفى عن قارئه مدى الألم وراءه.

*          *          *

في المرحلة الجامعية، في فترة من فترات العمل المسرحي الجامعي تعرفت فيها على شابٍ طموح للغاية، وكان اهتمام ذلك الشاب مطابقًا تمامًا لاهتمام شقيق جلال أمين (وإن اختلفت الوسائل)، وهو: كتابة المشاهد والحوارات والسيناريوهات. وكان في تلك الأوقات في مرحلة التعلّم والتدريب وشغف الشباب وحماسهم، وكان جادًا في سلوكه هذا الطريق غاية الجد، صارفًا وقته وجهده باحثًا ودارسًا مع قلّة اهتمام المحتوى العربي في الانترنت وقتها بموضوعات هذا الفن، وكان يحبّ النقاش في شأن هذا الفن مع زملاء لهم ذات الاهتمام، أو قريبًا منه (وقد كنت من هؤلاء الزملاء نوعًا ما)، وفي تلك الفترة كان طموحه وهدفه أن يصل ليكون كاتبًا بارزًا في الإعلام المحافظ، واستطاع الوصول لعدة أعمال مهتمة بهذا الجانب بعد سنوات قليلة، ومع سوء تلك التجربة احترافًا وتعاملًا كما أخبرني، وكما هو معروف عن هذا المجال للأسف، ومع أهميتها الكبيرة بالنسبة له على مستوى العلاقات الشخصية والمصلحية، إلا أنها لم توصله للهدف الذي حدده وكان واضحًا لديه وضوح الشمس، وهو أن يكون كاتبًا بارزًا تتسابق القنوات المحافظة ولجان المهرجانات لطلب أعماله الكتابية ومقابل أموال معقولة، ودون انقطاع طويل، مع إعطائه حقّه من مكاسب الشهرة المتوقعة: كاللقاءات المتلفزة، والاهتمام المتواصل، والاحترام.

وهموم الطموحين وأصحاب المواهب بين مجال الإعلام المحافظ وإغراءات الإعلام الآخر.. تحتاج لحديثٍ آخر، وقد ألمحت إلى بعض ما يعانون منه مع مواهبهم التي تفتقد للمحتضن النظيف في قصّة: [ مبتليكم بجمال ! ].

ثم تخرج قبلي وانتقل قبيل تخرجي لمدينة كبرى مناسبة لهذا النوع من الأنشطة، وسعى لإرضاء طموحه وقد اقتنع كما ظهر لي أنّه لن يخطو أول الخطوات في هذا المجال إلا بماله الخاص، وكان بيننا تواصل حينها، إذ طلب مني نصوصًا من أنشطتنا في الجامعة فأرسلتها له.. ثم انقطع التواصل بيننا، على أنّي صادفت حسابه يومًا ورأيته منشغلًا بعمل إعلامي شخصي وقتها، مع وجود الكثير (الكثير.. الكثير) من صورٍ يضعها يقول إنها لكواليس عملٍ قادم، لكني لم أر ذلك العمل واقعًا حين أتى ذلك الزمن القادم وصار حاضرًا.

وبعد زمنٍ صادفت له عملًا بسيطًا، نشره شخصيًا، موضوعه تربوي في عنوانه وظاهره، أمّا محتواه فلقطات بذيئة، كتبت له بعد رؤيتي لهذا العمل المقزز رسالة نصحٍ، لكنّي مسحتها، كيلا أندم عليها نَدم جلال أمين على زجره لأخيه حافظ في آخر عمره لكثرة احتجاجه على عدم إعطائه حقّه ككاتب.

وسبب مسحي له أن ذلك العمل مجرد سخط عابر على الحياة واعتراض على مآلات الحال.. وسيزول، وإن بدا له أنها بداية موفّقة لمرحلة عظيمة سيمحو ذنبها بأعمال أرقى فيما بعد، وهذا لن يحدث، لا وجود لهذه المرحلة العظيمة، كنت متأكدًا دون سبب واضح، هي مجرّد نزوة سيندم هو عليها بدون نصيحة.

لكن كم كان مثيرًا للشفقة أن أراه بعد نشر هذا العمل المخزي وهو يتجّول برابط الفيديو بين صفحات المشايخ والغيورين على أبسط المظاهر الأخلاقية والذوق العام واحدًا تلو الآخر لعل هذا العمل الركيك بتلميحاته الجنسية المنحطة سيثيرهم لينكروه، ويثيروا الغبار في المكان لينجلي عن فرس الشهرة تحته، لكنّه انجلى عن حمار التجاهل التام منهم، فمن بين مئات المراسلات و"المنشنات" التي قام بها؛ لم يحفل به واحد منهم لا بثناء ولا بنصح أو هجوم، وكنت أتأمّل هذا الأمر وأتعجب له كلّ العجب، وتحولت رسالة النصح التي كتبتها ومسحتها إلى تغريدة لم أصبر عن بثّها قلت فيها: (يثير الشفقة من يقدم قرابين الفساد ونزع الحياء والمروءة والأدب لصنم الشهرة في الانترنت دون فائدة، فلا اشتهر ولا حافظ على جهود أهله في تربيته!).

ثم خَفَت نشاطه، واختفى.

والنماذج المشابهة لـ(حافظ) والتي مرّت عليّ في حياتي كثيرة جدًا، وكنت أعتبر نفسي منهم (ولا زلت) قبل أن أحاول أن أعالج نفسي بالقناعة وتعداد النعم المقابلة لدواعي اليأس والقنوط التي لا بدّ من التلطخ بها في بعض الأوقات.

فقد كان اعتنائي بمواهبي وقدراتي، والسعي في إعطائها حقها من التدريب والدخول في (سوق عملها) إن صحّ التعبير يلتصق بها شعور متمكن من نفسي بأنّ الحياة والقدر والخالق سبحانه وتعالى مدينون لي بتحقيق مكتسبات هذه الصفقة، نعم.. هي صفقة، أعتني بها بموهبتي، وأطورها، ثم أسعى لنشرها في مواطن نشرها؛ فإذا نلت مدح المقرّبين ومن أثق بهم من المتخصصين.. فسأنتظر حينها المقابل لي.

إنّ قصّة هذا الصاحب (ومثله في قصص من عرفت أو زاملت أو تجربتي) كانت تبهرني كثيرًا؛ لأن التجربة تُبرز أوصالًا من خيوط القدر فتبدو ظاهرة أمامك ومتكتلة حتى تكاد تمسكها بيدك. وتظهر أمامك كتشجير العلوم بجذوعها وفروعها وأغصانها، وتستطيع من خلالها أن تحكم على مصير طموحك بكل ثقة، لولا أن الحظّ والصدف يمنعانك من هذا الحكم؛ لأنهما مفاجأة تغيّر السيناريو تماما.

*          *          *

رأيت قبل مدّة برنامجًا وثائقيًا عن رائدة من رواد الحركة التجريدية في الرسم، لم يدر العالم عن ريادتها إلا بعد أن بلغت من العمر عتيا، فالحركة التجريدية ظهرت واشتهرت على أيدي رواد برزوا في الأربعينيات والخمسينيات في فرنسا خصوصًا، ولم يدر العالم عن هذه المرأة إلا في عام 2000، بعد 60 سنة من بروز هذه المدرسة وإعطاء روادها حقهم من الشهرة والمال والاعتناء والتقييد الكتابي والوثائقي لمنجزاتهم وتاريخهم وبيئتهم خلال ستة عقود، فلما بلغ عمرها 85 سنة وهي تعيش في حال رثّة بعد وفاة زوجها وعدم إنجابها للأولاد انتقلت لإحدى الدور البائسة المخصصة لمن هم في سنها، وبسبب انسحابٍ طارئ لأحد الرسّامين المشهورين عن معرض دوليٍّ كبير مقام في إحدى المعارض العريقة في نيويورك، اقترح أحد جيرانها اسمها على صاحب المعرض الذي لم يكن قد سمع بها قبل ذلك مع اهتمامه بالفن واختصاصه بمعارضه، لكنّه كان متورطًا للغاية فوافق على استضافة لوحاتها المحفوظة بعناية قليلة في مستودع صغير بشقتها، وحين وقعت عينه على نتاجها صُدم به وذهل، فاحتشدت الصحف بعد ذلك لنشر اسمها في الصفحات الرئيسية وبالعناوين الكبيرة كاكتشافٍ عظيم (بهذا الوصف تمامًا)، ولم تنقطع عنها الشهرة منذ ذلك الوقت وحتى اليوم الذي تبلغ فيه سنّ الواحد بعد المائة.

وفي لقاء لها قالت أنها كانت تتمنى نيلها لحقها من الشهرة والتقدير والاحتفاء قبل هذه المرحلة من عمرها بعقود، لتسعد بها مع زوجها في شبابهما.

ثم أضافت: (لدينا مثل يقول: إذا انتظرت الحافلة، فإنها ستصل حتمًا).

حين سمعت هذه الجملة منها تأثّرت بها كثيرًا، ولكن بعد زوال الأجواء الدرامية للوثائقي، والتي أحاطت بهذه المقولة، بالإضافة إلى ملامح الشيخوخة التي تخدع سمعك أحيانًا فتظن أن كل ما يخرج من صاحبها حكمة وصواب؛ صرت أكثر وعيًا بمعناها، وأنّها خدعة ينخدع بها من وصلت له الحافلة، فيظنها قدرٌ حتمي لمن ينتظر بعده، ولا لوم كبير عليها، فهي منبهرة بالحاضر الجميل، فجعلت من حياتها بظروفها الخاصة وصدفها النادرة شاهدًا على صدق هذا المثل.. فاستعانت به.

*          *          *

أعتقد أن أبلغ قناعة وصلت إليها مع اعترافي بكوني لا زلت في بداية الطريق، قريبًا من منتصفه المفترض، ومررت ببعض الفشل، وبعض النجاح، فلستُ ناصحًا مثاليًا، ولا حكيمًا، ولعلّي لم آت بجديد هنا.

أقول: أعتقد أن أبلغ قناعة وصلت إليها هي أنّ الحياة ليست عادلة دائمًا، وأنك قد تنتظر حافلة الدنيا بزينتها وخيرها، فتموتُ وهي لم تصل، ولعلها تصل لكنها تتجاوزك، وربما تدعسك. وأعتقد أنّه يكفي الإنسان من الحياة على الأقل (شرف المحاولة دون انقطاع) وأنّ العدل الذي تتوقّعه من الحياة بعد أن بذلتَ فيها وكابدت المجد وألقيت دونه الأُزُر، وما تحمله لك من مكافآت حسب ظنك، حتى لو وصلت بها إليك، فلا يشترط أن يكون بالحجم الذي تخيلته واشترطته في نفسك، فربما تكون من فئة (الأبعاض)، نصيبهم من كل شيء في هذه الحياة.. البعض، بعض شهرة، وبعض امتنان، وبعض تقدير.. إلخ، وربما لن تجد هذا (البعض) أيضًا، كما لا يلزم أن يكون ما حزته من هذه الحياة دائمًا، ثم حتى لو كان كما تخيلته، وكان فوق ذلك دائم الوفرة في حياتك.. فلا يلزم أن تكون سعيدًا به طوال الوقت، ولا أن تشعر بالرضا المتواصل بحصولها، بل العادة قد تُبهت بريقه فيخبو، والنفس ملولة.

الحياة ليست عادلة دائمًا، الحافلة قد تصل وقد لا تصل.. لا أحد يعلم، يكفيك شرف المحاولة المستمرة، ومن يدري فربما تصل الحافلة بعدك فتأخذ أثرك، وكم من العظماء الذين برزوا في علوم وفنون، ثم ماتوا ولم يروا مقابلًا لجهودهم في هذه الدنيا؛ بل رحلوا عن الحياة مظلومين لم يكفهم الناس شرّهم ولا الدنيا بؤسها، والموفّق من عالج النيّة، لكي لا تفوته مكافآت الحياة الأخرى على الأقل، وهي الأكثر والأبقى.

بل إني أتيقن تمامًا بوجود عظماء ومشاهير غادروا الدنيا ولم يُعرفوا إلى هذه اللحظة، وخبت أعمالهم كما خبا ذكرهم، وتجاهلهم القرن العشرين الذي أظهر غيرهم من الأخفياء، فليس لهم ذلك الصديق الذي له علاقة بمدير معرض شهير في نيويورك، ولم يعمّروا عمر تلك المرأة فتزيد فرص شهرتهم مع زيادة أعمارهم.

وربما يكفي من هذه الحياة لمن حرم (الفضل) بعضه أو غالبه أو ما يتمناه منه، أن تتوزع فيها غايات مختلفة تضطلع بمسؤوليتها بديمومة الصابرين، لتحقق -بالحدّ الأدنى الذي يضمنه العمل بسنن الله في الحياة- ما تستحقه.

إن الإنسان في استطاعته أن يتفرس -في العموم- مصيره القريب القادم في المرض والزواج والوظائف.. إلخ، وأرى أن النجاح داخلٌ في ذلك، واللبيب من يستطيع أن يدرك وقت التحول من قدر (المجاهدة) إلى قدر (الرضا) و(القناعة).

فالحياة الدنيا ليست عادلة أبدًا، ولولا أن القدَر عظيم القدْر في نفس المؤمن لقلت أنّ للقدر عينٌ لها -بأمر الله وقدرته- نقاطٌ عمياء كما لعيوننا نقاط عمياء، تحرم الإنسان من الفضل، وزوايا لا يمكن إدراكها، وأنّ فئة من البشر مهما بذلت وأبدعت وواصلت ذلك دون انقطاع فإنها قابعة في ذلك المجال الأعمى الذي لا يمكن أن تراه فيه عين القدر المكافِأة أبدًا، وكم من قارئٍ نهمٍ يخرج علينا متأثّرًا ليعلن بأنّه قد قرأ كتابًا عَجبًا وأنه يستغرب أشدّ الاستغراب من كون الكتاب وصاحبه لم يبلغا من الشهرة الدرجة التي يستحقانها، ويخبرك أن صاحب الكتاب مات مجهولًا لا يعرفه إلا المتخصصون والمتوسعون في قراءاتهم، ما أكثر ما يمرّ عليك مثل هذا في مواقع التواصل، وكل ذلك تستوحيه من بعض النصوص (ذهب أهل الدثور بالأجور!) (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء).

والأمثلة على النقطة العمياء التي ذكرتها كثيرة، فقد مرّ علي قبل سنوات برنامجٌ في اليوتيوب بداية نشاط العرب فيه وكان أول برنامج خليجي -حسب علمي- من نوعه على يوتيوب، وقلده كثيرون بلغوا مبلغًا عظيمًا من الشهرة والمكانة، وكان البرنامج متكاملًا للغاية في فكرته وكوميديًا من بدايته لخاتمته، والمذيع لا تنقصه لا الطرافة ولا خفّة الدم ولا الكاريزما، وإخراجه كان احترافيًا ومميزًا، ومع ذلك، فمع استمراره فترة طويلة من الزمن، ومع تكامل مقومات نجاحه، إلا أنّه وصل لحدٍ معيّن من النجاح لم يستطع مطلقًا أن يتجاوزه، وكنت أقرأ في التعليقات على حلقاته استغرابًا متكررًا من الناس، وتساؤلًا ملحًا عن عدم بلوغ البرنامج ذلك النجاح الذي بلغته برامج يوتيوب مشابهة جاءت بعده وليست بأكثر منه جودة ولا فكرة ولا كوميديا، وكنت ألحظ بوضوح الاستغراب الكبير عند كثير من المعلقين والمتابعين، قبل أن ينقطع البرنامج.

ووقعت في اليوتيوب كذلك على برنامجٍ سخيفٍ ومستفزٍ وقبيحٍ، مع تميزه في الإخراج واستمراره دون انقطاع، لكنّ أسلوب عرضِ مقدّمهِ كان خارج حدود اللباقة ومتجاوزًا لأبسط القيم الأخلاقية، وكان من الواضح أن صاحبه بشكله وأسلوبه ومبالغاته يقصد إلى الشهرة عن طريق الاستفزاز بشكل صريح أو بأسلوب غير مباشر أحيانًا، ومع جهده العجيب والغريب وجَلَده المتواصل منذ 7 سنوات وحتى اليوم، ومع تكاليفه المادية الباهظة كما يظهر من نشاطه، إلا أنه لم يبلغ 1% من مظاهر الشهرة التي تتميز بها قنوات أخرى في يوتيوب جاءت بعده، لا من حيث عدد المتابعين، ولا التفاعل، ولا الحماس في التعليقات سبًا أو مدحًا، وفي المقابل.. رأيت من يقوم بمثل أسلوبه المستفز، وبأقل جهد مادي، وبظهورٍ منقطع، واحترافيّة أقل بكثير، مع قلّة حرص، وتأخرٍ في استخدام هذه الوسائل.. ومع ذلك ترى غوغاء الناس يحتشدون عنده، ويتفاعلون معه سلبًا أو إيجابًا، فوصلوا بأقل جهد ودون معونة أو علاقة من أحد إلى أضعاف أضعاف ما كان يتمناه الأوّل ودفق لأجله كلّ كرامة وخلق، ودفع في سبيله الغالي والنفيس.

ما يغيظ في هذا الأمر، أن الكثير من سنن الحياة لها ما يشبه القانون الواضح، والتفسير الجلي، لكنّ بعض مواقف الحياة وتجاربها لا تستطيع أن تقنّنها بمصطلحات واضحة يصحّ قياس الأحداث المختلفة على معانيها الثابتة ومغزاها المستقر، وأقصى ما تستطيع في شأنها هو ضرب الأمثال وسرد القناعات في سياقات يسهل اتهام دوافعها.. كما صنعت في مقالي هذا، والذي يسهل اتهامه بكونه ناتج عن أزمةٍ أو إحباط عارض.

ولعل هذه القناعة مستقرة في نفوس الناس وإن لم يدركوها بتعبيراتهم وتأملاتهم.. لكنها هناك، ولو طرحناها دون تعقيد في مجالس الناس سأجزم بسرعة تأثرهم وتفاعلهم معها، وقد شكا صديق لي خسارة تجارية له (سبقَتْها محاولات باءت كلها بالفشل الذريع)، فقلت له في صياغة مطابقة لما ذكرته هنا: أنك تستطيع استشراف قدر الله عز وجل فيك، وأنك والتجارة لن تجتمعا أبدًا، بالنظر إلى تجربتك معها، فتجاربك أثبتت أنك لن تكون مطلقًا كأولئك الذين بدؤوا بمبلغ زهيد، وتطورت تجارتهم بذكاء ودون تعبٍ كبير.. واغتنوا، واستقرت تجارتهم، وصاروا بعدها يحكون عن وصول الحافلة، ويكذبون حول حتمية النجاح بعد الجهد، وأظن أن التجارب السابقة قد تجلّت عن طبيعة قدرك مع التجارة، وأنّك وإيّاها متنافران، وهذا -كما أرجو- استشراف بنيته على معطيات تجاربك، لا تخرّص ودخول في الغيبيات.

كانت ردّة فعل صاحبي وإطراقه ونظراته بعد كلامي شاهدًا على وجود هذا الهمّ في نفوس الناس وإن لم يعبّروا عنه، وقد يكون على شكل تساؤل مشروع: لقد صنعت كل ما صنعه فلان وعلّان، فلماذا فشلت مع عظيم جهدي، ونجح مع قلة جهوده؟

على أنّك وإن لم تستطع الخوض في تفاصيلها، فإنك تستطيع أن ترجعها إلى أصول كبرى تتسم بها هذه الدنيا، ويستحضرها كل البشر، فهي ناقصة.. وهذا من نقصها، وهي غدّارة.. وهذا من غدرها، وفيها الخير والشر.. وهذا من شرّها (حين يعاني من آثارها أهل الخير) ومن خيرها (حين تؤدِب أهل الشر والتفاهة وتحجّم من آثارهم السيئة).

وما وراء ذلك من أعماق وتفصيل، فلله الحكمة البالغة، هو خالقنا، وهو الفعّال لما يريد سبحانه.

   الرخو الهيّن وضعيف الشخصية من يُسقط بقيّة حصونه ويرفع راية الاستسلام لأنّ حصنًا منها سقط.

   ‏للشيطان أعوانٌ تجدهم في مواقع التواصل يصرفون أوقاتهم لإخراس ألسن الناصحين بتذكيرهم ‏بأنّهم يعصون، فإن رأوك منكِرًا لمنكَر، أو ناطقًا بنصيحة، أخذوا ينبشون صفحتك، وسيرتك الذاتية، وماضيك، ليلوّحوا لك بتقصير أو معصية، فقط.. ليُخرسوا فضيلة الإنكار، بمعصية ما، فيقذفون بباطل الشخص على حقّه.. ليدحضوا به هذا الحق، كأوسخ همّة من الممكن أن تراها من إنسان ينسب نفسه لهذا الدين.

   لتتخيل معي أنك رأيتَ والدًا ينصح ولده بالاجتهاد في دراسته أو يعاتبه ويعاقبه على وقوعه في التدخين أو ممارسته للتفحيط، ثم يأتيه أحد هؤلاء ويصرخ فيه: "لك عين" تنصحه وأنت تشاهد كذا؟ وتمارس كذا؟ وتعصي المعصية الفلانية؟ وتصلي في بيتك؟ بل وفي صغرك كنت تدخّن وتفحط؟ أيها المستشرف على أبنائك؟ يا من تقول ما لا تفعل!!

   بل تخيّل معي أن يكتشف إنسانٌ فاجرٌ جريمة سرقة أمامه، لكنّه لا يبلغ عن السارق: "يكفيني معصيتي، أأقول ما لا أفعل؟ كبر مقتًا عند الله، أأنكر سرقة بسيطة وأنا الفاجر الذي لم يبق معصية لم أقترفها؟ لا.. لن أكون منافقًا.. لن أمارس الازدواجية في حياتي.. مع السلامة.. باي يا سارق!".

   لنوسّع الأمر قليلًا، لتروا سخف هذه الحجّة، تخيلوا أن شخصًا مسلمًا ابتلاه الله بالزنا، أو قتل شخصًا فعُفي عنه من أهل الحق، ثم رأى في طريقه شابًا يتحرش بفتاة باللفظ، فاستنجدت به، لكنه خاطب نفسه: "هه! من أنا حتى أوقف هذا التحرّش؟! أأنكر على هذا الشخص لمجرد ألفاظ قولية.. وأنا اقترفت إحدى الموبقات العظمى؟!! لا.. كبر مقتًا عند الله أن أكون منافقًا.. قد يكون هذا الشخص خير مني.." ثم التفت من حوله: "بالله إذا سمحتم واحد معصوم عن الخطأ يدرك هذه الفتاة.. أَصْلي لا مؤاخذة غير مؤهّل.. واحد يا جماعة.. حضرتك معصوم؟!" "لا.. صوّرت مع فتيات في رحلة لي لفرنسا قبل فترة" "أها! لا ما تصلح.. أنت مستشرف.. يلّا.. الله يعينها.. تكبر وتنسى!".

   وهكذا.. تتوقف البشرية عن نصح بعضها والإنكار على أخطائها بسبب هذه -وأستغفر الله على الكلمة- (الحجّة!)، والتي لن يطبقها أو يلتفت إليها إنسان لديه ذرّة عقلٍ مهما كان تقصيره، ومهما أثقلته معاصيه، لأنّ عقله يكون بكامل وعيه في المصالح الدنيوية، وما أشد النكير فيها، بينما للأسف قد يسهل على هذه الشبهة أن تنفذ إذا تعلّق الأمر بالنصح في شؤون ديننا لأن الصدوع تكثر فيه بسبب مطارق الأهواء التي كثرت في زماننا.

   ‏وقد أجاد الشاعر واختصر حين قال: ‏

إذا لم يعظ في الناس من هو مذنبٌ *** فمن يعظ العاصين بعد محمد؟! ‏

   صلى الله عليه وسلم، «ولو أنّ المرء لا يعظ أخاه حتى يُحكمَ أمر نفسه لَتُرِك الأمر بالخير والنهي عن المنكر».

   ‏النبي عليه الصلاة والسلام حين أمرنا بإنكار المنكر كان يستحضر مخاطبته لبشريّة خطّاءة غير معصومة، بل وتعاود الذنب بعد الذنب، أليس هو من قال عنا: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقومٍ آخرين يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم).

   ‏وقبل ذلك الله عزّ وجل الذي قال: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) هو من قدّر الذنب والتوبة وخاطب المسرفين بالأوبة.

   وفي الكامل للمبرّد أنّ الحسن البصري رحمه الله قال لمطرف بن عبد الله بن الشخير الحرشي: يا مطرف، عظ أصحابك. فقال مطرف: إني أخاف أن أقول ما لا أفعل. فقال الحسن: يرحمك الله وأينا يفعل ما يقول؟! لود الشيطان أنه ظفر بهذه منكم فلم يأمر أحد بمعروف، ولم ينه عن منكر.

   فإن استدلوا عليك بقوله تعالى: (لم تقولون ما لا تفعلون) فكن ذكيًا، واستحضر الأمثلة الماضية لتعلم أنّ الآية ليست كما يستدل بها الغير، واعلم أنه من استدلّ بها لإسكات ناصح أو منكر فالأمثلة في الأعلى أكبر رد على خطأ هذا الاستدلال، ثم اعلم كذلك بأنّ علماء أمتنا أدركوا هذه الشبهة (كعادتهم) منذ قرون وردّوا عليها بأبسط ما يكون، فقط تنتظر من يبحث عنها ويقرؤها:


   ثم انظر لهذه المعرّفات التي كانت تذوب في جانب رجاء الله، وأن الله غفور رحيم أيها المتشددون، وقابل التوبة يا دواعش، وديننا دين التسامح والرحمة، ويتهمون علماء السنة ودعاتهم بأنّهم زرعوا اليأس في القلوب مع سعة رحمة الله، فإذا نصحهم شابٌ ما.. تشظت الرحمة، وتفلّت الرجاء، لينقضّوا على أرشيفه، ويعيّروه بمعصيته تعييرًا ما سمعه قاتل المئة نفس، وأيّسوه من أي رجاء للصلاح والنصح لوجود هذه المعصية، وراحت الرحمة.. وراح الرجاء.. وراح التعايش.. عند أوّل نصيحة.